أ.د. أوميد رفيق فتاح
تمرُّ السياسة الدولية بمرحلة عدم اليقين والاضطراب التام، إذ إن التغيير في تصنيف الحلفاء والخصوم أصبح من سمات القوى الكبرى، وقد شهدت السياسة الخارجية للولايات المتحدة واستراتيجيتها للأمن القومي تحولات كبيرة لم تكن معهودة في السنوات السابقة، فالأدوات والمناطق التي كانت تعدُّ من ثوابت (أسبقيات) السياسة الخارجية سابقاً، لم تعد تحتفظ بالقيمة نفسها اليوم.
فيما يخصُّ الشرق الأوسط، وكما ورد في الفقرة (د) من برامج استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، لم يعد الارث السابق قائما بعد مرور خمسين عاما، فقد غيرت الولايات المتحدة الأمريكية سياستها الخارجية تجاه أوربا وتحالفها العسكري فيها بشكل كامل، وانسحبت من معظم المنظمات والتحالفات والاتفاقات التي كانت الدول تلتزم بها عن طريق المنظمات الدولية والإقليمية، وهي تسعى حاليا، الى حماية علاقاتها ومصالحها من خلال ضمان أمن بعض الدول التي ترغب في أن تشكل قوة إقليمية كبرى.
إن ديناميكية التغييرات في الشرق الأوسط سريعة، والمعادلات تتغير خلال فترة قصيرة، والمحورية الإقليمية هي سمة السياسة الدولية، والآن باتت سلسلة إعادة التموضع (التبدلات المحورية) واضحة، وهي بدورها تؤدي الى تغييرات جذرية في بنية المحورية الإقليمية.
وفي المرحلة الراهنة، بدأت ملامح ظهور تحالفات عسكرية وأمنية واقتصادية جديدة في الشرق الأوسط، وذلك أدى الى تغيير المعادلات السياسية والعسكرية، ولم تعد توازنات القوى على حالها الى حد كبير، إنه زمن إعادة التشكل وبناء الشراكات الجديدة على أساس المشاركة والتكامل وتحديد خريطة المصالح الموائمة للتغييرات الواقعية والعملية.
إن الولايات المتحدة، في تعاملها مع هذه التغييرات، وبدلا من بناء سياستها وفق تصنيفاتها المسبقة، تفتح الباب لاحتمال أن الحركة تجعل مصالحها في نهاية المطاف عرضة للمخاطر أم لا.
إن التغييرات في اليمن الصومال والسودان وسوريا، وكذلك التحولات في معادلة القوة في لبنان والمخاطر المحدقة بالعراق، تمثل مؤشرات واضحة على تعاظم معادلة إقليمية أخرى وترسخ مكانة وقوة فاعل إقليمي جديد، فإذا كانت دوافع أي طرف تتمثل في الطاقة والقوة الاقتصادية واشتداد تنافس القوى الكبرى، فإن أدوات هذه المنافسة تتمثل بصورة مباشرة في القوى الإقليمية نفسها.
*هذا المقال هو افتتاحية العدد (4) من مجلة (الدراسات الاستراتيجية).

