قراءة تحليلية في دلالات الجلسة التشاورية وأبعادها الدستورية والسياسية
عباس عبدالرزاق
في مشهد سياسي بالغ الحساسية، وفي منطقة تقع على تقاطع الهويات والمصالح والتحولات الجيوسياسية، احتضن دار الشهيد سلام الثقافي في قضاء خانقين جلسةً تشاورية جمعت عضو المجلس القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني شيركو ميرويس بنخبة من المثقفين والكتاب والنشطاء والإعلاميين. ولعلّ في هذا اللقاء ما يستحق التأمل والتحليل، لا من باب المجاملة أو الحضور الشكلي للفعل السياسي، بل من حيث ما يكشفه من طبيعة العلاقة بين النخب الثقافية والقيادات السياسية في المناطق ذات الحساسية الدستورية.
إن خانقين ليست مجرد قضاء إداري يقع شمال شرق محافظة ديالى، بل هي عقدة تاريخية تتشابك فيها الهويات الكردية والعربية والتركمانية، ويتقاطع فيها الواقع الديموغرافي مع التنافس السياسي، وتتكثف فيها رهانات المادة 140 من الدستور العراقي التي بقيت معلّقة منذ إقرار الدستور عام 2005 حتى اليوم. ومن هنا تكتسب الجلسة التشاورية أبعاداً تتخطى السياق المحلي المباشر لتلامس جوهر الأزمة السياسية العراقية المزمنة.
أولاً: السياق الدستوري ـ المادة 140 بوصفها إطاراً وجدلاً

تُعدّ المادة 140 من الدستور العراقي لعام 2005 الركيزة القانونية الأساسية لمعالجة وضع المناطق المتنازع عليها، وقد نصّت على ثلاث مراحل متتابعة: التطبيع، والإحصاء السكاني، والاستفتاء، وحددت لإنجاز هذه المراحل مهلة انتهت في ديسمبر 2007. غير أن هذه المهلة انقضت دون أن تُنفَّذ المادة، فتحوّلت إلى ورقة ضغط متبادلة بين بغداد وأربيل، ومحور صراع دبلوماسي وأمني لم يهدأ حتى اليوم.
وفي هذا الإطار، تنبع أهمية الجلسة التشاورية في خانقين من كونها تتناول التجاوزات على الحدود الجغرافية للقضاء ضمن نطاق هذه المادة. فالحديث عن ‘التجاوزات الجغرافية’ لا يعني مجرد نزاعات حدودية روتينية، بل يمسّ جوهر مسألة الانتماء الإداري والهوية الإقليمية لمنطقة تنتظر منذ عقدين البتّ الدستوري في مصيرها. إن تأكيد شيركو ميرويس على اللجوء إلى المسارات القانونية والدستورية في معالجة هذه التجاوزات يحمل رسالة مزدوجة: من ناحية، إشارة طمأنة إلى المواطنين بأن الحقوق محاطة بسياج قانوني؛ ومن ناحية أخرى، إعلان موقف سياسي بالالتزام بالأطر الرسمية بدلاً من الخيارات الميدانية التصعيدية.
ثانياً: المعنى السياسي للجلسة التشاورية
1. في دلالة المكان
إن اختيار ‘دار الشهيد سلام الثقافي’ فضاءً للجلسة ليس محض صدفة أو خيار لوجستي. فهذه المؤسسة الثقافية تمثل فضاءً رمزياً يحمل دلالة التشريف والاعتراف بدور الثقافة في الحياة العامة. واحتضانها لقاءً بين قيادة سياسية ونخب مجتمعية يجسّد نمطاً من الحوار الذي يتخطى الغرف المغلقة ويضع الملفات الحساسة أمام وعي مجتمعي أوسع. وفي مدينة كخانقين تمتلك إرثاً ثقافياً وأدبياً عريقاً، يبقى هذا الخيار الرمزي ذا ثقل معنوي لا يُستهان به.
2. في دلالة المشاركين
يستوقفنا حضور طيف متنوع من المثقفين والكتاب والنشطاء والإعلاميين، إذ يجعل من الجلسة فضاءً للتداول العمومي لا مجرد استعراض لمواقف حزبية جاهزة. هذا النوع من اللقاءات يُنتج مشروعية مجتمعية للخطاب السياسي حين يتفاعل المسؤول السياسي مع النخبة الثقافية في فضاء مفتوح على التساؤل والنقد. ولعل الخطورة الحقيقية تكمن في المسافة بين نبرة التفاؤل وطرح الحلول من جهة، ومتطلبات الواقع اليومي للمواطن من جهة أخرى؛ وهو تباين تلتقطه النخبة الثقافية في الغالب قبل غيرها.
3. في دلالة الخطاب

أكد ميرويس وحدة الموقف الكردي في التعامل مع ملف التجاوزات، وأشار إلى التنسيق بين القوى السياسية الكردية، كما شدد على أهمية التضامن المجتمعي بعيداً عن الانتماءات الحزبية والعرقية والقومية. هذا الخطاب الجامع، إذا ما قرأناه بعين تحليلية، ينطوي على وعي بحجم الفجوات الداخلية التي تُضعف الموقف التفاوضي أمام بغداد، ولذا يأتي التشديد على الوحدة تأكيداً لحاجة فعلية لا مجرد خطاب استعراضي.
ثالثاً: الأبعاد الإقليمية لوضع خانقين
لا يمكن قراءة المشهد الخانقيني بمعزل عن التحولات الإقليمية المتسارعة التي تمر بها العراق والمنطقة. فالتوازنات الهشة التي أفرزتها مرحلة ما بعد داعش، وتراجع نفوذ الأكراد إقليمياً في أعقاب فشل استفتاء 2017، وتصاعد الدور الإيراني في الساحة العراقية، وتعثّر علاقة أربيل ببغداد على صعيد الموازنة والنفط والحدود الإدارية، كل هذه العوامل تلقي بظلالها الثقيلة على واقع قضاء خانقين.
ولا يخفى أن خانقين تمثل بالنسبة للاتحاد الوطني الكردستاني تحديداً ثقلاً استراتيجياً ومعنوياً خاصاً، إذ ظلت تاريخياً ضمن نطاق نفوذه السياسي والعسكري. ومن هنا فإن الدفاع عنها وعن حدودها الإدارية يتخذ طابع الالتزام الرمزي قبل أن يكون مجرد موقف قانوني. وقد جاء الجهر بهذا الالتزام في جلسة تشاورية علنية ليكون إعلاناً موجهاً في آنٍ واحد إلى الداخل الكردستاني، وإلى صانعي القرار في بغداد، وإلى المجتمع الدولي المتابع.
رابعاً: الثقافة بوصفها فاعلاً سياسياً
لعل ما يستحق الإشارة بخاصة هو ثناء ميرويس على دور الشباب والمثقفين والنشطاء في خانقين، وتأكيده على قيمة وحدة الموقف المجتمعي. وفي هذا ما يكشف عن إدراك سياسي واضح بأن المعركة الحقيقية للحقوق الدستورية لا تُخاض في الغرف المغلقة فحسب، بل في الوعي الجمعي وفي حضور المدينة ثقافياً وإعلامياً على الخريطة الوطنية.
إن خانقين التي أنجبت أسماء أدبية وفكرية تركت بصماتها في الحياة الثقافية الكردية والعراقية، تمتلك رأسمالاً رمزياً ينبغي توظيفه في مسار الدفاع عن الحقوق. فالحضور الثقافي لمدينة ما في الذاكرة الوطنية كثيراً ما يسبق الحضور السياسي ويُرسّخه. وهذا بالضبط ما تدركه قيادة سياسية حين تختار دار ثقافي فضاءً لحوارها مع المجتمع.
خامساً: إشكاليات وتساؤلات مشروعة

في المقابل، لا يسع المراقب الموضوعي إلا أن يطرح جملة من التساؤلات المشروعة: هل تكفي الجلسات التشاورية وخطابات الدعم السياسي في معالجة إشكاليات بنيوية تراكمت على مدى عقود؟ وما الآليات العملية التي ستُترجم بها التوجيهات إلى إجراءات فعلية على أرض الواقع؟ وإلى أي حد يُمكن للتنسيق بين القوى السياسية الكردية أن يُفضي إلى مواقف موحدة أمام الحكومة الاتحادية؟
فضلاً عن ذلك، تبقى مسألة الخدمات والإدارة اليومية التي أشار إليها ميرويس من بين أشد ما يُؤلم المواطن العادي. فالمواطن في خانقين يعيش تحديات الكهرباء والبنية التحتية والرعاية الصحية والتعليم، وهذه القضايا الحياتية الملموسة تشكّل الاختبار الحقيقي لجدية الخطاب السياسي. وما لم تتحول الوعود إلى مشاريع ملموسة، فإن ثقة المواطن في المنظومة السياسية تظل هشة.
خاتمة: نحو حوار مجتمعي دائم

في الختام، تبقى الجلسة التشاورية التي احتضنتها خانقين علامةً إيجابية في مسار التواصل بين النخب الثقافية والقيادات السياسية. وإذا كانت القيمة الأبرز لمثل هذه اللقاءات تكمن في كسر الفجوة بين المسؤول والمثقف، وفي إتاحة فرصة للتعبير عن الهموم الحقيقية بدل الاكتفاء بالخطاب الرسمي المُعدّ، فإن استمرارها ومأسستها شرط ضروري لإنتاج سياسة عامة تعكس فعلاً ما يحتاجه المجتمع.
إن خانقين، بتاريخها العريق وإنسانها المتمسك بهويته وحقوقه، جديرة بأن تكون نموذجاً في إدارة التنوع والدفاع عن الحقوق الدستورية بالطرق الحضارية. والرهان الحقيقي لا يكون فقط في تثبيت الحدود الجغرافية، بل في بناء مجتمع مدني حيوي يجعل من الحوار والثقافة ركيزةً أصيلة لمسار الحقوق والمطالبة السياسية المشروعة.

