كتابة : غريب علي سليم
ترجمة: نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى
لطالما شكّلت الحروب تهديدًا مؤثرًا للأمن السياحي في المناطق التي تقع فيها، بمعنى إن المشكلة لا تقتصر على أن الدمار والخراب الناجمين عن الحرب يلحقان الضرر بالدولة التي تدور فيها المعارك فحسب، بل تمتد آثارهما أيضًا إلى الدول المجاورة، ومن هنا يبرز مفهوم الأمن السياحي، وهو مصطلح مركب من كلمتي «الأمن» و«السياحة». ويعني الأمن السياحي توفير الحماية للسائح ولحركته ونشاطه وترفيهه، إلى جانب حماية المؤسسات السياحية، وبعبارة أخرى، يتمثل في حماية حياة السائح وسلامته النفسية من الأخطار، ويتضمن مجموعة من الإجراءات الأمنية والقانونية التي تهدف إلى توفير بيئة آمنة في المواقع السياحية، وهو عامل أساسي لجذب السياح وتنشيط الاقتصاد.
وعليه فإن الأمن السياحي يُعد شرطًا أساسيًا لجذب السياحة الداخلية والدولية، وعلى العكس من ذلك، فإن الحروب والفوضى والأعمال الإرهابية وعدم الاستقرار السياسي تُعد من أبرز العوامل التي تؤثر في حركة السياحة، ولا سيما أن السائح شديد الحساسية تجاه أي مظاهر للعنف أو الحرب أو الاضطراب.
- الطلب والعرض في القطاع السياحي
تحاول جميع دول العالم اتخاذ إجراءات صارمة لحماية الأمن السياحي، وذلك من أجل تقديم صورة مشرقة عن سياحتها على المستويين الإقليمي والدولي، ومن ثمّ فإن السياحة لا يمكن أن تزدهر في غياب الاستقرار السياسي والأمني، فإذا كانت العلاقات السياسية والدبلوماسية بين الدول جيدة، فإن الطلب والعرض السياحيين يزدادان بشكل ملحوظ، وبمعنى آخر، هناك علاقة مباشرة بين الوضعين السياسي والأمني وبين الطلب والعرض السياحيين؛ ففي المناطق التي يسودها الأمن والاستقرار تنمو الحركة السياحية، بينما يتجنب السياح المناطق التي تشهد توترًا وصراعات عسكرية، لأن الحروب سواء كانت كبيرة أم صغيرة تترك تأثيرًا واضحًا في الطلب السياحي، بل وتخلّف آثارًا سلبية أوسع وأطول أمدًا على تنمية السياحة،وينعكس ذلك مباشرة في زيادة البطالة والتأثير في الأمن الاجتماعي.
- الإحصاءات الدولية
استنادًا إلى إحصاءات المنظمة الدولية للسياحة خلال السنوات الماضية، فإن نمو السياحة كان في ازدياد مستمر عامًا بعد عام، ففي عام 2024 بلغ عدد السياح في العالم نحو مليار وأربعمائة مليون سائح، بزيادة تقارب 11% مقارنة بعام 2023، وقد أسهم ذلك في تنشيط حركة الأسواق والمواقع السياحية، وحقق عائدات بلغت نحو 10.9 تريليون دولار، فضلًا عن المساهمة في توفير فرص عمل لنحو 350 مليون شخص حول العالم، أي إنه من بين نحو ثمانية مليارات إنسان في العالم، يسافر سنويًا أكثر من مليار شخص كسياح، ويؤمّن قطاع السياحة أكثر من 10% من الدخل العالمي.
- التوقعات لا تبدو مطمئنة
ارتفعت حركة السياحة الدولية في عام 2025 بنسبة 4% مقارنة بعام 2024، وهو ما يعكس طلبًا قويًا على السفر في مختلف أنحاء العالم، ووفقًا للإحصاءات، سُجل في ذلك العام مليار و52 مليون سائح دولي في العالم،وكان من المتوقع أن يصل هذا العدد إلى ملياري سائح بحلول عام 2030، إلا أن تزايد التعقيدات الجيوسياسية والأمنية في الفترة الأخيرة قد يؤدي إلى تراجع الحركة السياحية أو تباطؤها.
يمكن تحذير السياح في حال وقوع كوارث طبيعية في مكان معين مثل الزلازل أو ثوران البراكين أو موجات التسونامي أو الفيضانات والسيول، وهذه الظواهر ليست من صنع الإنسان وغالبًا ما يمكن التنبؤ بوقوعها، كما أن السياح يتجنبون مثل هذه الحوادث، وتأثيرها عادة يكون قصير الأمد، لكن الاضطرابات السياسية والأمنية هي من صنع الإنسان، مثل عدم الاستقرار السياسي والإرهاب والجريمة والحروب وسوء معاملة السياح والإجراءات الأمنية غير المستقرة، وكلها عوامل تمنع السياح من زيارة تلك الأماكن.
- السياحة صناعة حساسة
ومن الأمثلة الواضحة على تأثير الأعمال الإرهابية في السياحة، الهجمات التي استهدفت مركز التجارة العالمي في نيويورك في 11 سبتمبر 2001، إذ أدت إلى انخفاض الطلب العالمي على السياحة في الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 7.4%. ونتيجة لذلك فقد أكثر من 10 ملايين عامل في قطاع السياحة حول العالم وظائفهم،كما انخفضت نسبة الإشغال في فنادق الولايات المتحدة بنسبة 50% رغم خفض الأسعار.
كذلك في تونس، التي يسهم قطاع السياحة فيها بنسبة 18.6% من الناتج المحلي الإجمالي، تعرض هذا القطاع في عام 2011 لانتكاسة كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة، حيث انخفض عدد السياح الدوليين إلى نحو 5.1 ملايين سائح.
وتعد السياحة صناعة شديدة الحساسية تجاه الأزمات الدولية والإقليمية مثل الحروب والعنف والإرهاب، ومن الأمثلة على ذلك الحرب والصراع بين روسيا وأوكرانيا، والتوترات بين الصين وتايوان، وظهور تنظيم «داعش» الإرهابي عام 2014 وسيطرته على مساحات واسعة من العراق، ولا سيما محافظات الموصل وصلاح الدين وديالى وبعض الأجزاء الإدارية من محافظة كركوك، ثم هجماته لاحقًا على محافظات إقليم كوردستان،وقد تركت هذه الأحداث آثارًا مباشرة في حركة السياحة والوضع الاقتصادي.
كما انخفض عدد السياح في إقليم كوردستان عام 2017 بسبب تدهور العلاقات السياسية والدبلوماسية بين الحكومة العراقية الاتحادية وإقليم كوردستان، وإجراء الاستفتاء، وإغلاق مطاري أربيل والسليمانية، فضلاً عن هجوم الجيش العراقي على المناطق المتنازع عليها.
السياحة في كوردستان
يعد إقليم كوردستان أحد المناطق التي تعرض أمنها السياحي باستمرار للتهديد بسبب الحروب والصراعات، مثل القصف وزرع الألغام والحرق وحتى القصف الكيميائي لمناطق مختلفة من كوردستان، وكلها عوامل أدت إلى عدم الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة.
وفي الوقت الحاضر يتجه إقليم كوردستان، لحسن الحظ، نحو موسم الربيع واحتفالات نوروز وشهر رمضان والموسم السياحي، لكن، للأسف، فإن الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكيةمن جهة وإيران من جهة أخرى قد بدأت على نطاق واسع، وقد وصلت شرارات هذه الحرب إلى إقليم كوردستان أيضًا،وهذا من شأنه أن يلحق ضررًا كبيرًا بسمعة السياحة في الإقليم، لأن الحركة السياحية لا يمكن أن تزدهر إلا في بيئة مستقرة وآمنة، كما أن جميع عناصر السياحة مثل الصناعة السياحية والاستثمار السياحي مترابطة، وأي تهديد لأمن أحد هذه العناصر ينعكس على بقية العناصر.
وفي ضوء هذا الوضع السياسي والعسكري القائم بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية والدول المجاورة للعراق من جهة أخرى، من المتوقع أنه إذا استمرت الحرب، فإنها ستترك تداعيات كبيرة على الحركة الاقتصادية والسياحية، وعلى ارتفاع معدلات التضخم، الأمر الذي سيلحق أضرارًا كبيرة باقتصاد إقليم كوردستان ومستقبل قطاعه السياحي.

