د. جاسم حسين الخالدي
لم يكن دخول المناهج النقدية الغربية إلى الساحة العربية حدثاً معرفياً عادياً، بل بدا – في لحظة تاريخية معينة – فتحاً نقدياً حقيقياً. فقد جاء الوعي البنيوي والسيميائي والتفكيكي بوصفه قطيعة مع القراءة الانطباعية، وأداةً لضبط الخطاب النقدي وتحريره من العشوائية. ومن هنا نشأ اعتقادٌ راسخٌ بأنَّ امتلاك المنهج وتطبيقه الصارم هو الذروة التي بلغها الفكر النقدي الحديث.
غير أنَّ هذا التصور، على أهميته في مرحلة التأسيس، يحتاج اليوم إلى وقفة مراجعة. فالتسليم بأن المنهج هو آخر ما وصلت إليه المعرفة النقدية يحوّل النقد إلى نشاط إجرائي، ويجعل النص مجرد مجال تطبيقي لا أكثر. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل وظيفة الناقد أن يبرهن على صلاحية المنهج، أم أن مهمته أعمق من ذلك، وأشد اتصالاً بخصوصية الظاهرة الأدبية؟
حين نقول إنَّ تجاوز المنهج لا يعني إنكاره، بل يعني الانتقال من الالتزام الصارم بالأداة إلى امتلاكها، فإننا نكون بإزاء مفهوم أكثر نضجاً هو مفهوم الممارسة النقدية. فهذا التجاوز ليس قفزاً فوق المعرفة، بل هو استبطان لها إلى حدّ تصبح فيه جزءاً من وعي الناقد وأفقه الفكري.
غير أن الممارسة النقدية لا تعني الفوضى المنهجية، ولا الانتقاء الاعتباطي من المناهج، ولا العودة إلى القراءة الانطباعية المنفلتة من الضبط المعرفي. كما أنَّها لا تعني القطيعة مع المنجز الغربي، بل هي مرحلة تالية على التمكن المنهجي، لا سابقة عليه؛ مرحلة لا يلغي فيها الناقد أدواته، بل يتجاوز خضوعه لها.
الممارسة النقدية هي حالة نضج يتجاوزُ فيها الناقد تطبيق المنهج إلى توليد القراءة. إنَّها انتقال من المنهج بوصفه قالباً جاهزاً إلى المنهج بوصفه وعياً داخلياً متشرباً. ففي المرحلة الأولى ينطلق الناقد من النظرية، ويسعى إلى العثور على شواهد تؤكد صلاحيتها؛ أما في المرحلة الثانية فإنَّه ينطلقُ من النصِ ذاته، ويسأل: ماذا يطلبُ هذا النص؟ وأي أفق يفتحه أمام القراءة؟
الناقد الممارس لا يبدأ من سؤال: كيف أطبق البنيوية هنا؟ بل يبدأ من سؤال: ما البنية التي يقترحها النص؟ فإذا استدعى النص بنيةً مغلقة، حضر الوعي البنيوي. وإذا انفتح على الدلالة المؤجلة، اشتغل الحسُّ التفكيكي. وإذا تشكل في أفق تلقي، استدعى نظرية التلقي دون إعلان صريح. وهكذا يتحول المنهج من وصفة جاهزة إلى أفق تفكير، ومن سلطة خارجية إلى وعي داخلي.
في مرحلة المنهج بوصفه فتحاً، كان النص يُستدعى ليخدم النموذج، ويُقاس بمدى مطابقته لمقولاته. أما في الممارسة النقدية، فإن النصَّ يصبح مركز الفعل النقدي. وهذه الرؤية تلتقي مع ما أشار إليه هانز-جورج غادامير في حديثه عن اندماج الآفاق، حيث لا يكون الفهم تطبيقاً ميكانيكياً، بل حواراً بين وعي القارئ وأفق النص.
ومن أبرز سمات الممارسة النقدية قدرة الناقد على توليد المفاهيم من داخل النص. فهو لا يكتفي باستعارة المصطلحات، بل قد يشتقُ مفهوماً جديداً استجابةً لخصوصية الظاهرة المدروسة، كما يحدثُ في صوغ مفاهيم مثل (التناص المعرفي) أو (اللغة الصوفية) أو (النص العابر للأجناس). هنا يغدو النقد إنتاجاً لا استهلاكاً، وتتحوّل القراءة إلى فعل خلاق يوازي فعل الكتابة.
كما أن الممارسة النقدية تستلزم وعياً بالسياق الحضاري الذي وُلد فيه المنهج. فالانتقال من البنيوية إلى ما بعدها في الفكر الغربي لم يكن مجرد تحوّل تقني، بل كان تعبيراً عن مراجعة عميقة لمفاهيم المركز، واليقين، والنسق المغلق. ومن ثم فإن استيراد المنهج دون مساءلة شروطه المعرفية يضع الناقد في موقع المتلقي، لا في موقع الفاعل المنتج للمعرفة.
ومن هنا يمكن التمييز بوضوح بين تطبيق المنهج والممارسة النقدية. فالأول يبدأ من النظرية ويفرض النموذج ويسعى لإثبات صلاحيته، وغالباً ما يكرر المصطلحات ذاتها. أما الثانية فتنطلق من النص، وتحاور الظاهرة، وتسعى إلى كشف خصوصيتها، وتولد مفاهيم جديدة تتناسب معها. الأول يؤكد حضور المنهج، والثانية تؤكد حضور النص.
ومع ذلك، فإن الممارسة النقدية لا تعني تجاوز المناهج كلها أو إعلان القطيعة معها. إنها تعني تشربها واستبطانها واستعمالها عند الحاجة وتجاوزها عند الضرورة. فهي أشبه بالشاعر الذي يتقنُ العروض حتى يتجاوزه؛ لا لأنه يجهله، بل لأنه امتلكه إلى حدّ صار قادراً على التصرف فيه بحرية واعية.
إن الممارسة النقدية، في نهاية المطاف، تمثل ذروة النضج المعرفي؛ إذ تعني استقلال الرؤية، وحرية الاختيار، والقدرة على توليد الأسئلة بدلاً من تكرارها، وإنتاج معرفة جديدة بدلاً من إعادة تدوير المعرفة الجاهزة. وهنا يصبح الناقد فاعلاً في الحقل المعرفي، لا وسيطاً ينقل ما أُنتج في سياقات أخرى.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام النقد العربي المعاصر: هل بلغنا مرحلة الممارسة فعلاً؟ أم ما زلنا في طور تداول المناهج، ننتقل من واحدة إلى أخرى دون أن نؤسس أفقنا الخاص؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في رفض المنهج، ولا في التباهي بتجاوزه، بل في إعادة بناء العلاقة بين النظرية والنص على أساس من الحوار والوعي التاريخي. ففي تلك المسافة الدقيقة بين الامتلاك والتجاوز تتشكل الممارسة النقدية بوصفها أفقاً حراً ومسؤولاً لإنتاج المعرفة.
الصباح

