تُعدّ انتفاضة ربيع عام 1991 إحدى أهم المحطات في تاريخ العراق المعاصر، إذ شكّلت لحظة مفصلية عبّر فيها الشعب العراقي، ولاسيما في إقليم كوردستان، عن رفضه لسياسات القمع والعنف التي انتهجها نظام البعث طوال عقود. وفي خضم تلك الأحداث، شهد قضاء الدبس في محافظة كركوك واحدة من الحملات القمعية التي استهدفت أبناء المنطقة من الكورد، في محاولة لقطع الطريق أمام امتداد الانتفاضة إلى المدينة ومحيطها.
ففي مثل هذا اليوم من عام 1991، أقدمت أجهزة النظام البعثي، بإشراف مباشر من علي حسن المجيد، ابن عم الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين، على فرض حظرٍ شامل للتجوال في قضاء الدبس. وقد شاركت في تنفيذ هذه الإجراءات عناصر من حزب البعث والأجهزة الأمنية، إلى جانب مجموعات من بقايا الحرس القومي.
وأعقب إعلان حظر التجوال حملة اعتقالات واسعة طالت أكثر من 576 شاباً ورجلاً وشيخاً من أبناء القومية الكوردية في القضاء. وقد جرى اعتقال هؤلاء بصورة جماعية دون أوامر قضائية أو مبررات قانونية، واقتيدوا لاحقاً إلى معسكرات ومراكز احتجاز في محافظتي تكريت والرمادي.
وتشير الشهادات المتداولة حول تلك الحادثة إلى أن السبب الحقيقي للاعتقال لم يكن سوى انتماء المعتقلين القومي وكونهم من أبناء المدينة الأصليين، في ظل سياسات التضييق والتهجير التي اتبعها النظام آنذاك بحق السكان الكورد في مناطق كركوك ومحيطها. كما كان الهدف المباشر من هذه الحملة هو منع وصول شرارة الانتفاضة إلى قضاء الدبس وإجهاض أي تحرك شعبي محتمل داخل المنطقة.
وكانت المخاوف كبيرة لدى عائلات المعتقلين من أن يلقوا المصير ذاته الذي لقيه عشرات الآلاف من ضحايا حملات الأنفال، وهي الحملة العسكرية سيئة الصيت التي نفذها النظام البعثي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وأسفرت عن مقتل ودفن أكثر من 182 ألف كوردي في مقابر جماعية، وفق ما وثقته العديد من التقارير الحقوقية.
وخلال هذه الحملة القمعية في الدبس، سقط أيضاً أحد الضحايا المدنيين، وهو المهندس الكهربائي الكوردي باهر خليل، الذي عُرف بين أبناء مدينته بخلقه الرفيع وسيرته الطيبة. وقد استُشهد أمام باب منزله القريب من مبنى بلدية القضاء، في حادثة تركت أثراً عميقاً في ذاكرة أهالي المدينة.
وبعد نجاح انتفاضة 1991 في العراق في أجزاء واسعة من كوردستان، اضطر النظام العراقي إلى الدخول في مفاوضات مع الجبهة الكوردستانية. وخلال تلك المفاوضات، كان من أوائل الشروط التي طرحتها القيادة الكوردية، بقيادة الرئيس الراحل جلال طالباني المعروف بـ“مام جلال”، الإفراج عن معتقلي قضاء الدبس.
وقد تحقق ذلك لاحقاً عبر عملية تبادل، أُطلق بموجبها سراح المعتقلين مقابل عدد من الضباط والقادة العسكريين الذين كانوا أسرى لدى قوات البيشمركة.
واليوم، وبعد مرور عقود على تلك الأحداث، تبقى هذه الحادثة جزءاً من الذاكرة الجماعية لأبناء كركوك والدبس، ودليلاً على حجم المعاناة التي تعرض لها المدنيون خلال سنوات الحكم الدكتاتوري. كما تبقى انتفاضة ربيع 1991 علامة فارقة في تاريخ النضال من أجل الحرية والكرامة في العراق وكوردستان.
وفي استذكار هذه الذكرى الأليمة، يتجدد الوفاء لشهداء تلك المرحلة، وفي مقدمتهم الشهيد باهر خليل، مع التأكيد على أهمية حفظ هذه الأحداث وتوثيقها للأجيال القادمة.
ومن المهم أيضاً الإشارة إلى المواقف الإنسانية التي سطّرها بعض العوائل العربية الأصيلة في المنطقة، والتي قدّمت المساعدة لعدد من العوائل الكوردية وساهمت في توفير طرق النجاة لهم خلال حملات الاعتقال، في موقف يعكس عمق الروابط الإنسانية والأخوية بين مكونات المجتمع.
إن استذكار هذه الأحداث لا يهدف إلى استحضار الألم فحسب، بل إلى توثيق الحقيقة التاريخية، وتعزيز الوعي بأهمية العدالة والعيش المشترك، كي تبقى هذه الوقائع شاهداً على مرحلة من تاريخ العراق لا ينبغي أن تُنسى.

