في كل عام، يعود السادس عشر من آذار ليوقظ في ذاكرة العراقيين صفحات دامية من تاريخهم الحديث؛ صفحات كتبت بدماء الضحايا الذين سقطوا في سلسلة من الجرائم التي ارتكبها نظام البعث الصدامي بحق أبناء الشعب العراقي بمختلف مكوناته. لا يمثل هذا التاريخ مجرد ذكرى عابرة، بل هو محطة لاستعادة الألم والتذكير بواحدة من أكثر الفترات قسوة في تاريخ العراق، حين تحولت الدولة إلى أداة قمع وإبادة، وامتدت جرائمها من حلبجة إلى الأنفال، ومن المقابر الجماعية إلى قمع الانتفاضة الشعبانية، وصولا إلى استهداف العلماء والنخب السياسية.
المدينة التي اختنقت بـ (الكيمياوي)
صباح السادس عشر من آذار عام 1988 لم يكن يوماً عادياً في مدينة حلبجة الواقعة في إقليم كردستان. كانت المدينة تعيش لحظات قصف مكثف خلال الحرب العراقية الإيرانية، لكن ما حدث في ذلك اليوم تجاوز كل حدود الحرب التقليدية. فقد تعرضت المدينة لقصف بالأسلحة الكيميائية، أدى إلى مقتل الآلاف من المدنيين خلال ساعات قليلة، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن.
الصور التي خرجت من حلبجة آنذاك صدمت العالم؛ عائلات كاملة سقطت في الشوارع، وأطفال ماتوا في أحضان أمهاتهم، ورجال لم يتمكنوا حتى من الهروب من منازلهم. ويقدَّر عدد الضحايا بأكثر من خمسة آلاف قتيل، إضافة إلى آلاف المصابين الذين عانوا لاحقاً أمراضاً مزمنة وتشوهات صحية بسبب الغازات السامة.
أكد المحلل السياسي أحمد الهركي أهمية إحياء ذكرى 16 آذار المرتبطة بقصف نظام صدام حسين لمدينة حلبجة بالأسلحة الكيميائية، التي عُدَّت محط اهتمام دولي، بالإضافة إلى جرائم الأنفال والمقابر الجماعية وقمع الانتفاضة الشعبانية وغيرها من الجرائم التي ارتكبها النظام السابق ضد الشعب العراقي.
وأشار الهركي في حديثه لـ”الصباح” إلى أن إحياء هذه الأحداث يمثل مناسبة مهمة لتسليط الضوء على تاريخ من الانتهاكات، لافتاً إلى أن الحكومة العراقية قامت خلال العام الماضي، عندما صوّت مجلس النواب في 14 نيسان 2025 على تحويل محافظة حلبجة إلى محافظة مستقلة، باتخاذ إجراءات مهمة لدعم هذا القرار وتعزيز التقدير الرسمي للضحايا.
وأوضح الهركي أن هذه الإجراءات تشمل إحياء الذكرى وتوثيق جرائم النظام السابق ضد أبناء الشعب العراقي، وهو ما يسهم في تشكيل الوعي السياسي، ليس فقط للأجيال الحالية بل أيضاً للأجيال المستقبلية. وبيّن أن هذه الجرائم تمثل جزءاً من سلسلة جرائم الإبادة الجماعية التي شهدتها مجتمعات ودول أخرى، مؤكداً أن التعامل معها بشكل رسمي يسهم في ترسيخ مسار العدالة الانتقالية.
الأنفال… حملة الإبادة المنظمة
قبل حلبجة وخلالها كان شمال العراق يعيش واحدة من أخطر الحملات العسكرية في تاريخه، عُرفت بحملة “الأنفال” بين عامي 1987 و1988. نفذ النظام السابق سلسلة عمليات عسكرية واسعة ضد القرى الكردية شملت القصف والتهجير القسري والاعتقال الجماعي، واستهدفت القرى والسكان المدنيين، فقد تم تدمير آلاف القرى واعتقال عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال الذين اختفى الكثير منهم لاحقاً في السجون أو في المقابر الجماعية.
تشير تقديرات منظمات حقوقية إلى أن ضحايا الأنفال تجاوزوا 180 ألف شخص، معظمهم من المدنيين، وقد بقي مصير كثير منهم مجهولاً لسنوات طويلة، إلى أن بدأت المقابر الجماعية تُكتشف بعد عام 2003 لتظهر جزءاً من الحقيقة المروعة لما حدث.
وفي هذا الإطار أوضح مدير مديرية الإعلام والعلاقات العامة في مؤسسة الشهداء الدكتور ضياء الجابري أن المؤسسة تعمل منذ تأسيسها على ترسيخ الوعي بجرائم الإبادة الجماعية التي تعرض لها الشعب العراقي، ولا سيما الجرائم المرتبطة بالنظام السابق، من خلال برامج تعليمية وثقافية وإعلامية متعددة، فضلاً عن إحياء المناسبات السنوية التي توثق تلك الجرائم.
وقال الجابري في تصريح لـ”الصباح”” إن المؤسسة عملت منذ تأسيسها على ضرورة إدراج موضوع الإبادة الجماعية ضمن المناهج الدراسية للمرحلتين الإعدادية والجامعية.
وأشار الجابري إلى أن فعاليات إحياء الذكرى لا تقتصر على الاحتفالات الرسمية، بل تتضمن أيضاً إقامة ندوات ومحاضرات تثقيفية في الجامعات العراقية المختلفة، تتناول مخاطر الفكر المتطرف والأنظمة الدكتاتورية، وتؤكد ضرورة تحصين الأجيال الجديدة بالوعي والمعرفة تجاه هذه الجرائم لمنع تكرارها مستقبلاً.
ولفت الجابري إلى أن نشاطات المؤسسة امتدت أيضاً إلى الجانب الفني والدرامي، حيث تعمل المؤسسة على دعم الإنتاجات الدرامية التي توثق تلك الجرائم وتعرضها للرأي العام. وأوضح أن المؤسسة قدمت هذا العام دعماً لوجستياً ووثائقياً لفريق عمل مسلسل “اسمي حسن”، من خلال تزويد الكادر الفني بالوثائق والمعلومات اللازمة المتعلقة بالأحداث التاريخية التي يتناولها العمل.
المقابر الجماعية
بعد سقوط النظام السابق عام 2003 بدأت فرق البحث بالكشف عن عشرات المقابر الجماعية في مختلف أنحاء العراق، من الجنوب إلى الشمال. كانت تلك المقابر شاهداً صامتاً على جرائم الإعدام الجماعي التي طالت آلاف العراقيين خلال عقود حكم البعث.
في هذه المواقع عُثر على رفات رجال ونساء وأطفال دُفنوا بطريقة جماعية، في كثير من الأحيان وهم مكبلون أو معصوبو الأعين. فبعض المقابر تعود لضحايا الانتفاضة الشعبانية عام 1991، وأخرى لضحايا الأنفال أو لحملات الإعدام التي استهدفت المعارضين السياسيين. وأمام هذه المقابر لم يكن المشهد مجرد اكتشاف أثري، بل لحظة مواجهة مع الحقيقة؛ عائلات كثيرة كانت تبحث منذ سنوات عن أبنائها المفقودين، لتجد بعض الإجابات أخيراً في تلك الحفر التي أخفتها الرمال لسنوات.
بحسب الإحصائيات الرسمية والتقارير الدولية فإن عدد المقابر الجماعية التي اكتُشفت في العراق والمرتبطة بجرائم نظام حزب البعث التي فُتحت أو وُثِّقت يبلغ نحو 290 مقبرة جماعية، كما تشير تقديرات إلى أن المقابر الجماعية قد تضم رفات ما يقارب 400 ألف ضحية من ضحايا الإعدامات والجرائم التي ارتُكبت في تلك الحقبة، وتم العثور عليها في العديد من المحافظات مثل بابل (المحاويل والكفل)، والنجف وكربلاء، وذي قار والسماوة، والديوانية، والأنبار، وديالى وكركوك، ومناطق من إقليم كردستان المرتبطة بحملات الأنفال.
وأكد الباحث القانوني علي التميمي أن جريمة الأنفال ضد الكرد تُعد إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وقد أصدرت المحكمة الجنائية العراقية العليا أحكاماً بالإعدام والسجن على المسؤولين عنها. وأوضح في حديثه لـ”الصباح” أن المسؤولية لا تقتصر على المحاسبة القضائية، بل تشمل التعويض للضحايا، والتوثيق التاريخي، والدعم النفسي والاجتماعي، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، مع أهمية الاعتراف الدولي بالجريمة لضمان العدالة ومنع تكرار الانتهاكات.
وأشار التميمي إلى أن المجتمع الدولي اتخذ مواقف متعددة تجاه هذه الجريمة، حيث اعترف كل من البرلمان السويدي والنرويجي والبريطاني بأن ما جرى في الأنفال يمثل جريمة إبادة جماعية بحق الشعب الكردي، كما أقر مجلس النواب العراقي عام 2008 رسمياً بأن الجرائم التي تعرض لها الكرد خلال تلك العمليات تُعد إبادة جماعية.
الانتفاضة الشعبانية
في آذار 1991، وبعد انتهاء حرب الخليج الثانية، اندلعت انتفاضة شعبية واسعة في عدد من محافظات العراق، لا سيما في الجنوب والوسط، عُرفت لاحقاً بالانتفاضة الشعبانية، إذ خرج آلاف العراقيين مطالبين بإنهاء حكم النظام البعثي، مستغلين حالة الضعف التي مر بها آنذاك، لكن رد النظام كان عنيفاً وسريعاً، وتعرضت مدن عديدة مثل النجف وكربلاء والبصرة والناصرية إلى عمليات عسكرية واسعة أسفرت عن سقوط آلاف القتلى واعتقال أعداد كبيرة من المشاركين في الانتفاضة.
يشير حسن عباس، أحد أفراد عائلات الضحايا، إلى أن السادس عشر من آذار لا يقتصر على كونه ذكرى تاريخية فحسب، بل يمثل تذكيراً مؤلماً بما يمكن أن يحدث عندما تتحول السلطة إلى أداة للقمع والإبادة.
وأضاف عباس أن هذه الذكرى تشكل أيضاً دعوة موجهة إلى الأجيال الجديدة لفهم تاريخ بلادهم بعمق، والعمل على بناء دولة تحترم حقوق الإنسان وتصون كرامة مواطنيها.
جبر الضرر

