عباس عبد الرزاق
تشي النبرة المختلفة التي يتحدث بها أطراف الصراع بأن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى صراع متعدد الطبقات تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الرهانات السياسية والاستراتيجية. فبينما يتحدث الرئيس الأمريكي عن إطار زمني محدود لا يتجاوز أسابيع قليلة، توحي إسرائيل بأن المعركة قد تكون طويلة وممتدة، في حين يبدو الخطاب الإيراني أقرب إلى الرهان على الزمن، باعتباره عنصرًا أساسيًا في معادلة الصمود والاستنزاف.
هذا التباين في اللغة السياسية يعكس في جوهره اختلافًا في الأهداف. فالولايات المتحدة تميل إلى حسم سريع يفرض معادلة ردع جديدة في المنطقة، بينما ترى إسرائيل في الحرب فرصة استراتيجية قد لا تتكرر لإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها. أما إيران فتتعامل مع الصراع بوصفه معركة وجودية تتعلق بمستقبل نموذجها السياسي نفسه.
لكن ما يمكن رصده بوضوح حتى الآن هو أن الحرب تشهد توسعًا في اتجاهين شديدي الخطورة.
أول هذه الاتجاهات يتمثل في اتساع الرقعة الجغرافية للصراع. فالمواجهة لم تعد محصورة ضمن الجغرافيا التقليدية للصراع بين إيران وإسرائيل أو حتى جبهة جنوب لبنان، بل أخذت تمتد تدريجيًا إلى فضاء إقليمي أوسع يشمل العراق ومنطقة الخليج العربي، وصولًا إلى شرق المتوسط وقبرص. ومع كل اتساع جديد في رقعة العمليات، تزداد احتمالات تحول الحرب من مواجهة محدودة إلى صراع إقليمي واسع النطاق.
أما الاتجاه الثاني فيتمثل في تحول طبيعة الأهداف. ففي المرحلة الأولى من المواجهة كان التركيز منصبًا على الأهداف العسكرية، غير أن المشهد بدأ يتغير مع دخول المنشآت الاقتصادية والبنى المدنية في دائرة الاستهداف. وهذه مرحلة شديدة الحساسية في أي حرب، لأن الدول تستطيع غالبًا تحمل الضربات العسكرية لفترة معينة، لكنها تصبح أقل قدرة على الصمود عندما تتعرض البنية الاقتصادية والحياة المدنية لضغوط مباشرة.
ضمن هذا السياق، يبدو أن إيقاع التصعيد مرشح للاستمرار. فقد ألمحت الولايات المتحدة إلى احتمال الانتقال إلى مرحلة ثانية من المواجهة تستهدف إضعاف نقاط القوة الإيرانية، وخصوصًا القدرات البحرية المرتبطة بالحرس الثوري. ويهدف هذا المسار، وفق التصور الأمريكي، إلى دفع طهران نحو وضع تجد فيه نفسها مضطرة للقبول بوقف إطلاق نار مفروض بحكم موازين القوة.
غير أن هذا السيناريو لا يبدو بسيطًا أو مضمون النتائج. فإيران، من جهتها، تبني استراتيجيتها على فرضية أن إطالة أمد الحرب قد تقلب المعادلات السياسية والعسكرية، أو على الأقل تمنع خصومها من تحقيق نصر حاسم. ولهذا تحرص طهران على إبقاء مستوى معين من الرد العسكري قائمًا، حتى لو كانت تترك الباب مواربًا أمام المسار السياسي.
غير أن السؤال الأكثر إلحاحًا يبقى: هل تمتلك جميع الأطراف القدرة الفعلية على إطالة أمد هذه الحرب؟
فالحروب الطويلة لا تُحسم بالقدرات العسكرية وحدها، بل بمدى قدرة الاقتصادات والمجتمعات على تحمل الضغوط المتراكمة. كما أن عنصر المفاجأة يبقى حاضرًا دائمًا في مثل هذه الصراعات، سواء عبر تحولات مفاجئة في مواقف القوى الإقليمية، أو عبر قرارات غير تقليدية قد تصدر عن دول الخليج التي تجد نفسها اليوم على تماس مباشر مع تداعيات الصراع.
في جوهرها، تبدو هذه الحرب وكأنها بدأت إسرائيليًا بهدف كسر النموذج الحاكم في طهران، أي نموذج الجمهورية الإسلامية. أما من المنظور الأمريكي، فهي أقرب إلى محاولة لإحداث تغيير في بنية النظام السياسي الإيراني، وإن لم يكن ذلك بالضرورة عبر تغيير شامل للنموذج الأيديولوجي نفسه.
في المقابل، يتمحور الرد الإيراني حول فكرة مركزية مفادها أن هذا النموذج السياسي يجب أن يبقى، وأن الحرب لن تكون كافية لإسقاطه.
حتى الآن، يمكن القول إن نموذج الجمهورية الإسلامية تلقى ضربات قاسية وأظهر بعض مظاهر الضعف، لكنه لم ينهَر. وهذا ما يجعل إسرائيل تميل إلى إطالة أمد المواجهة، باعتبارها فرصة استراتيجية قد تفتح الباب أمام تغيير جذري في توازنات المنطقة.
ومع ذلك، يبقى احتمال آخر قد يغير مسار الأحداث. فإذا ما وصلت إلى واشنطن إشارات إيرانية تفيد بأن الجمهورية الإسلامية مستعدة لفتح صفحة سياسية جديدة، بقيادات أكثر براغماتية أو بعقلية مختلفة في إدارة الصراع، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام فرصة لإعادة صياغة العلاقة مع طهران بدلًا من الاستمرار في مسار المواجهة المفتوحة.
مثل هذا التحول، إن حدث، سيكون بمثابة تطور استثنائي في مسار الأزمة.
لكن حتى ذلك الحين، تبدو الصورة أقرب إلى سيناريو آخر: مزيد من التصعيد التدريجي وصولًا إلى ذروة الصراع، قبل أن تبدأ ملامح التسوية السياسية بالظهور، عندما يدرك جميع الأطراف أن الحرب بلغت حدودها القصوى.
ففي حروب الشرق الأوسط، غالبًا ما لا تبدأ السياسة إلا بعد أن تصل المعركة إلى أقصى درجاتها.