الكاتب..عماد الطيب
في المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة اخرى، هناك سؤال يطرح.. ليس ماذا جرى فحسب، بل كيف رُوي ما جرى. وهنا يقع المتلقي من الجمهور في متاهة البحث عن الحقيقة. فالميدان العسكري، مهما اتسعت حدوده، يظل محدوداً مقارنة بالمجال المفتوح الذي تتحرك فيه الروايات. هناك، في الفضاء الرقمي، تتسابق البيانات، وتتنازع التحليلات، وتتكاثر المقاطع المصورة، حتى يبدو المشهد أقرب إلى سوق صاخبة تتداخل فيها الأصوات، ويصعب فيها تمييز النبرة الصادقة من الصدى المصطنع.
لم تعد الحرب حدثاً يُنقل، بل أصبحت حدثاً يُصاغ. كل طرف يمتلك جهازه الإعلامي وخبراؤه ومنصاته، وشبكاته التي تعيد إنتاج الرسالة بأشكال متعددة. البيان العسكري لم يعد مجرد إعلان، بل جزء من استراتيجية مدروسة لإدارة الإدراك العام. اختيار المفردة، ترتيب الجملة، توقيت النشر، وحتى الصمت أحياناً، كلها عناصر تدخل في حسابات دقيقة. وحين تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، تتضاعف التعقيدات، وتتشكل طبقات من السرد يصعب تفكيكها من القراءة الأولى.
في هذا المناخ، تصبح الحقيقة عرضة للتشظي. ليست مفقودة بالضرورة، لكنها موزعة بين أطراف متعددة، وكل طرف يمسك بقطعة منها ويعرضها باعتبارها الصورة الكاملة. الإعلام الغربي يقدم روايته انطلاقاً من أولوياته الاستراتيجية، والإعلام الإقليمي يقرأ الحدث من زاوية أمنه القومي، بينما تنشط المنصات البديلة في طرح سرديات مضادة، بعضها جاد، وبعضها مدفوع بانحيازات لا تقل حدة. وبين هذه وتلك، يقف المتلقي أمام سيل متدفق من المعلومات، لا يملك في كثير من الأحيان أدوات كافية للفرزوالتمحيص.
وسائل التواصل الاجتماعي أضافت بعداً جديداً إلى المعادلة. السرعة هنا تتقدم على الدقة، والانفعال يسبق التحقق. مقطع مصور قديم يُعاد تدويره بوصفه مشهداً آنياً، صورة مجتزأة تُقدَّم باعتبارها دليلاً دامغاً، تصريح غير موثق ينتشر في دقائق عبر آلاف الحسابات. وفي ظل هذا التسارع، يصبح التصحيح متأخراً دائماً، لأن الرواية الأولى، مهما كانت هشاشتها، تترك أثراً يصعب محوه بالكامل. هكذا تتحول المنصة إلى ساحة مواجهة موازية، تُخاض فيها معارك نفسية لا تقل شراسة عن المواجهة العسكرية.
تتضاعف صعوبة الوصول إلى اليقين بسبب الطبيعة المغلقة للملفات الأمنية والعسكرية. الدول لا تكشف كل أوراقها، والبيانات الرسمية تخضع لاعتبارات الردع والرسائل السياسية. أحياناً يُضخَّم حدث ما لإيصال إشارة إلى الخصم، وأحياناً يُخفَّف وقع حدث آخر لتجنب تصعيد غير مرغوب. في هذا السياق، لا يمكن قراءة الخبر بمعزل عن توازنات القوى، ولا عن لحظة التوتر أو الانفراج التي تصدر فيها المعلومة.
ومع تطور تقنيات التلاعب الرقمي، فقدت الصورة جزءاً من يقينها القديم. لم تعد اللقطة المرئية دليلاً نهائياً، بل مادة تحتاج إلى تدقيق في مصدرها وسياقها وتاريخها. التقنيات القادرة على توليد مشاهد شديدة الواقعية جعلت الشك ضرورة مهنية وأخلاقية في آن واحد. لم يعد السؤال: هل حدث ذلك؟ بل: من أنتج هذه الرواية، ولماذا الآن؟.
غير أن هذا المشهد المعقد لا يعني الاستسلام لفكرة استحالة الحقيقة. الاقتراب منها ممكن، لكنه يتطلب جهداً واعياً. تنويع المصادر خطوة أولى لا غنى عنها، لا من باب التوازن الشكلي، بل لفهم كيفية بناء كل طرف لروايته. المقارنة بين التغطيات تكشف مناطق الاتفاق والاختلاف، وتسمح باستخلاص القواسم المشتركة التي غالباً ما تقترب من الوقائع الصلبة. كذلك فإن التمييز بين الخبر والتحليل ضرورة ملحة؛ فالأول يُفترض أن يستند إلى معطيات قابلة للتحقق، بينما الثاني قراءة بشرية تتأثر بخلفية صاحبها ومرجعياته.
يبقى السؤال: أين يقف الباحث عن الحقيقة وسط هذا الضجيج؟ ربما في المنطقة التي تلتقي فيها الروايات المختلفة، حيث تتقاطع المصالح وتتنازع القراءات. هناك، في المسافة الفاصلة بين الادعاء والنفي، يمكن العثور على ملامح صورة أقرب إلى الواقع. ليست صورة كاملة أو نهائية، لكنها أكثر توازناً من أي رواية منفردة.
في النهاية، الحقيقة في زمن الحرب ليست معطى جاهزاً يُلتقط من أول بيان، بل بناء تراكمي يتشكل عبر الزمن. تحتاج إلى عقل بارد في لحظة ساخنة، وإلى مسافة نقدية في وقت تتسارع فيه الانفعالات. قد لا يكون الوصول إليها سهلاً، لكنه يظل ممكناً لمن يرفض أن يكون مجرد صدى في جوقة الضجيج، ويصرّ على أن يكون قارئاً متبصراً في زمن الالتباس.
الصباح