بقلم: سعاد ملا سعيد/مشرفة تربوية-السليمانية
يعد النظام التربوي في أي أمة هو العمود الفقري لاستقرارها المستقبلي، وفي بلد كالعراق، مرّ بتراكمات من الأزمات المركبة—بدءاً من الحروب وصولاً إلى الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية—يواجه هذا النظام تحدياً وجودياً لا يقتصر على البنية التحتية فحسب، بل يمتد ليشمل “البنية النفسية” للجيل الصاعد.
واقع المؤسسة التربوية في ظل النزاع
لقد تركت سنوات الحرب ندوباً غائرة في جسد العملية التعليمية. فالمسألة لا تتوقف عند نقص الأبنية المدرسية أو تهالك المناهج، بل في تحول المدرسة من بيئة آمنة للنمو إلى مساحة مشحونة بالتوتر والقلق. إن التعليم في زمن الأزمات يواجه ظاهرة “الفقدان التعليمي” المزدوج؛ فقدان المعرفة الأكاديمية وفقدان الاستقرار العاطفي، مما يؤدي إلى تراجع مخرجات التعليم واتساع فجوة الأمية الوظيفية.
التضايقات النفسية: العائق الصامت
يمثل الضغط النفسي الذي يتعرض له الطالب والمعلم على حد سواء “العائق الصامت” أمام التطور. فالمعلم، الذي يعاني من ضغوط معيشية واجتماعية، يجد نفسه مطالباً بأداء دور المربي والطبيب النفسي دون أدوات كافية. أما الطالب، الذي نشأ في بيئة تضج بأخبار النزاعات، فإنه يعاني من تشتت الذهن وضعف الدافعية، علاوة على تنامي ظواهر سلبية كالتنمر أو الانعزال، وهي نتاج طبيعي لبيئة يسودها التوتر.
نحو إستراتيجية وطنية للتعافي
إن استشراف مستقبل التربية في العراق يتطلب الانتقال من “تعليم الأزمة” إلى “التعليم من أجل السلام والمرونة”. ويمكن تلخيص خارطة الطريق في النقاط التالية:
أنسنة التعليم: ضرورة إدراج برامج الدعم النفسي والاجتماعي (MHPSS) كجزء أصيل من المنهج الدراسي، وليس كنشاط هامشي.
التكنولوجيا كطوق نجاة: الاستثمار في التعليم الرقمي لضمان استمرارية الدراسة في الظروف الطارئة، وتقليل الاعتماد على الحضور الفيزيائي في مناطق النزاع.
تأهيل الكوادر: تدريب المعلمين على تقنيات “التربية الصدمية” (Trauma-Informed Pedagogy) للتعامل مع الطلاب الذين مروا بتجارب قاسية.
الشراكة المجتمعية: تفعيل دور الأسرة والإعلام في إعادة الاعتبار لقيمة العلم، وحماية المؤسسة التربوية من التجاوزات الخارجية.
خاتمة
إن الرهان على المستقبل يبدأ من حماية عقول الأطفال اليوم. إن ترميم مدرسة مهدومة أسهل بكثير من ترميم نفسية طالب حطمته الأزمات. لذا، فإن وزارة التربية والمؤسسات البحثية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتبني رؤية شاملة تدمج بين جودة التعليم ومتانة الصحة النفسية، لضمان بناء جيل قادر على قيادة العراق نحو ضفاف الاستقرار.

