صدر العدد رقم (11) من مجلة (قراءات مستقبيلية) وهي وجلة سياسية فكرية تصدر عن مركز الدراسات المستقبلية.
وقد خصص هذا العدد لبحث الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في بحث مستفيض للباحثين د. يوسف كوران، ود. أوميد فتاح، ود.عابد خالد رسول، ود.هردي مهدي ميكة، ود.فاروق عبدول مولود.
وتناول العدد محاور مهمة في هذا الشأن منها واقع العراق أثناء الحرب؛ المستجدات والتداعيات، وإسرائيل والعراق؛ إعادة صياغة المنطقة وتغيير موازين القوى، والولايات المتحدة والعراق؛ الانقطاع والحياد مقابل الضمانات الاقتصادية، وإيران والعراق؛ وحدة الساحات وجبهة المقاومة.
وأدنا نص العدد (11) من المجلة والرابط:
قراءات مستقبلية رقم (١١) ٢٠٢٦ | CFS Center
فهرست المواضیع
– المحور الأول: واقع العراق أثناء الحرب؛ المستجدات والتداعيات.
– المحور الثاني: إسرائيل والعراق؛ إعادة صياغة المنطقة وتغيير موازين القوى.
– المحور الثالث: الولايات المتحدة والعراق؛ الانقطاع والحياد مقابل الضمانات الاقتصادية.
– المحور الرابع: إيران والعراق؛ وحدة الساحات وجبهة المقاومة.
توطئة
يُمثل الحرب الدائر بين (الولايات المتحدة وإسرائيل) من جهة، و (إيران) من جهة أخرى، تحدياً وجودياً للدولة العراقية؛ كونه يضعها في موقف حرج تتجاذبه الالتزامات الأيديولوجية والسياسية تجاه القضايا الإقليمية من جانب، وضرورات الحفاظ على السيادة الوطنية من جانب آخر. يتأثر العراق بشكل مباشر بهذه الحرب عبر انخراط الجماعات المسلحة تحت مفهوم «جبهة المقاومة» و»وحدة الساحات»، فضلاً عن فقدان السيطرة على المجال الجوي الذي تحول إلى ساحة للهجمات المتبادلة بين الأطراف المتصارعة، مما يشكل تهديداً خطيراً للاستقرار الأمني الهش الذي تسعى الحكومة لتعزيزه.
أما من الناحية الاقتصادية، فيبقى العراق رهينةً لتقلبات أسعار النفط وآليات تصديره إلى الأسواق العالمية، حيث تبرز معضلات الموازنة العامة وخطر الانهيار الاقتصادي كأكبر هواجس الحكومة العراقية مستقبلاً. علاوة على ذلك، فرض الموقع الجيوسياسي للعراق وضعاً يتأرجح فيه بين الرغبة في لعب دور «الوسيط» وبين التحول إلى «ساحة لتصفية الحسابات» الحربية. وفي هذا السياق، يحتاج العراق وإقليم كردستان إلى توازن دبلوماسي دقيق لمنع انزلاق البلاد نحو حرب شاملة قد تعيدها إلى المربع الأول من العنف.
القراءة المستقبلية رقم (11): تتناول في أربعة محاور تحليل وضع ومكانة العراق في الصراع بين (الولايات المتحدة وإسرائيل) وإيران، مع تسليط الضوء بشكل خاص على رؤية وتعامل أطراف الحرب الثلاثة تجاه العراق.
المحور الأول واقع العراق أثناء الحرب؛ المستجدات والتداعيات
أن تداعيات الحرب الراهن بين (الولايات المتحدة وإسرائيل) و (إيران) سيكون له تأثير كبير- قبل أي دولة أو منطقة أخرى- على المكانة الاستراتيجية والعسكرية للعراق ومستقبله السياسي والأمني. فمن ناحية الموقع الاستراتيجي، تُشير سلسلة الأحداث المتلاحقة — بدءاً من هجمات 7 أكتوبر وما تلاها من إرتدادات (حرب غزة، إضعاف حزب الله اللبناني، سقوط نظام الأسد في سوريا، وحرب الـ 12 يوماً ضد إيران) وصولاً إلى المواجهة الحالية التي يقودها «التحالف الأمريكي الإسرائيلي» ضد «إيران ووكلائها في المنطقة» — إلى أن منطقة الشرق الأوسط تقف الآن على أعتاب تحول «جيواستراتيجي» كبرى. بناءً على ذلك، يُتوقع أن الحرب الحالية لن تكون مجرد جولة أخرى ضمن سلسلة الصراعات التقليدية بين المحورين، بل هي عملية إعادة صياغة لخارطة القوى في العديد من دول المنطقة، ويقع العراق في قلب هذه التحولات. فخلال الفترات الماضية، وبحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية والمذهبية، ظل العراق دوماً إحدى الساحات الرئيسة لتصفية الحسابات وحسم تلك الصراعات الإقليمية.
أما من ناحية المشهد السياسي العام، فقد صِيغت السياسة العراقية طوال أكثر من العقدين الماضيين بطريقة تجسد نوعاً من التوازن بين المصالح الإيرانية والأمريكية. غير أن أحد السيناريوهات المتوقعة لهذه الحرب هو اختلال هذا التوازن في الوقت الراهن، مما يضع العراق أمام اختبارين قاسيين:
الأول: احتمال انتهاء حالة «الحياد القسري» التي انتهجها العراق حتى الآن بين أطراف النزاع؛ حيث لن يعود بمقدور العراق «اللعب على حبال الحياد»، في ظل تصاعد الضغوط على حكومة بغداد لاتخاذ موقف معلن وصريح بين المعسكرين المتصارعين، والانحياز لأحدهما بشكل نهائي.
الثاني: تفاقم الانقسامات الداخلية في العراق؛ فمن جهة، يبرز تباين بين المكونات الرئيسية، لا سيما وأن المكونين السني والكردي، إلى جانب طيف من الشيعة المعتدلين، يرفضون انخراط العراق في هذه الحرب عبر الانضمام إلى أي من محوري الصراع. ومن جهة أخرى، يمتد الانقسام إلى داخل المكونات نفسها، وتحديداً في «البيت الشيعي»، حيث تعتبر بعض الفصائل المسلحة نفسها جزءاً أصيلاً من «جبهة المقاومة». إن كل هذه العوامل قد تؤدي لاحقاً إلى إحداث شرخ كبير بين مؤسسات الدولة الرسمية وكثير من القوى غير الرسمية (اللانظامية).
أما على مستوى العملية السياسية، فمن الملاحظ أن اندلاع هذا الصراع قد تزامنت إرهاصاته مع الخطوات الإجرائية لتشكيل الحكومة تنصيب رئيس وزراء جديد، استناداً إلى نتائج انتخابات مجلس النواب الأخيرة في نوفمبر من العام الماضي. وهذا التزامن يجعل من مسارات الحرب عاملاً مؤثراً بقوة في معادلات تشكيل الحكومة المقبلة؛ إذ قد تؤدي ارتدادات الحرب على المدى القريب إلى حالة من الانسداد السياسي بانتظار ما ستسفر عنه النتائج النهائية للمواجهة. ولكن على المدى البعيد، فيتوقع أن تصبح نتائج الحرب غربال أساسي لتحديد هوية رئيس الوزراء القادم، وفي هذا الصدد يمكن استشراف احتمالين على الأقل:
الاحتمال الأول: يفترض هذا الاحتمال انتهاء الحرب بصيغة لا تضطر فيها الدولة العراقية رسميا إلى الانحياز المطلق لأحد الأطراف. في هذه الحالة، قد تتمكن القوى السياسية من التوافق على شخصية لرئاسة الوزراء تعمل على إدامة « الحياد الاضطراري» المذكور آنفا. بيد أن مهام حكومة كهذه ستكون في غاية التعقيد؛ فمن جهة، تطالبها الولايات المتحدة بضمانات قاطعة لمنع تحويل الأراضي العراقية إلى منصة لاستهداف مصالحها وحلفائها من قبل الفصائل المسلحة. ومن جهة ثانية، ستنتظر منها إيران الحيلولة دون انزلاق العراق نحو المحور الأمريكي أو التحول إلى عائق أمام نفوذها الإقليمي، وساحة لاستهداف الفصائل العراقية الحليفة لها. لذا، وبناءً على هذه المعطيات، كلما كان رئيس الوزراء القادم شخصيةً تتمتع بـ (استقلالية القرار)، كان أقل عرضة للتبعية لأي محور إقليمي أو قوة دولية، وإلا فإن العراق سينزلق حتماً نحو تبني سياسة الانحياز لأحد أطراف الصراع.
الاحتمال الثاني: التقويض الجذري للنظام الإيراني نتيجة هذه الحرب، وما يتبعه من انحسار لنفوذه الإقليمي. في ظل هذا الاحتمال، ستفقد القوى السياسية الحليفة لطهران —لا سيما بعض أطراف الإطار التنسيقي— قدرتها على المناورة السياسية. حينها، قد تُفتح الآفاق أمام بروز شخصية لا جدلية (تكنوقراط) أو (وطنية) تحظى بقبول الولايات المتحدة والقوى الإقليمية المنافسة لإيران. وفي خضم هذه التحولات، يغدو انسحاب (المالكي) من طموح رئاسة الوزراء أمراً وارداً، مما يفسح المجال لإعادة ترشيح (السوداني) أو (مرشح بديل).
وفي كل الأحوال، إذا ما أفضت الحرب إلى اختلال ميزان القوى لصالح الولايات المتحدة، فإن شروط واشنطن لدعم الحكومة العراقية المقبلة ستكون صارمة؛ إذ لن تدعم إلا رئيس وزراء يقدم التزامات جادة بضبط الفصائل المسلحة، وحماية المصالح والقواعد العسكرية الأمريكية، وضمان عزل النظام المالي العراقي عن تقديم أي تسهيلات للجانب الإيراني.
أما فيما يتعلق بمصير الجماعات المسلحة — وهي إحدى أكثر القضايا حساسية في المشهد العراقي الراهن — فإن الفصائل المنضوية تحت مظلة «المقاومة» تعتبر نفسها جزءاً عضوياً من استراتيجية الدفاع الإيرانية. وبناءً على بياناتها الرسمية، فقد انخرطت مباشرة في الصراع عبر تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات. وفي الوقت نفسه، يحتمل في المدى القريب أن تتصاعد وتيرة الاستهدافات الممنهجة لقادة هذه الفصائل، على غرار ما حدث لقيادات حزب الله في لبنان، مما قد يؤدي إلى شلل في قنوات الاتصال المباشرة مع مراكز القرار في إيران، ويقود بالتالي إلى تقويض قدراتهم العسكرية والمالية. وفي حال انقطاع خطوط الدعم اللوجستي من طهران، ستواجه هذه الجماعات حالة من الارتباك والتخبط؛ فبينما قد تسعى بعض الأطراف منها إلى التكيف السياسي مع التوجهات الرسمية للدولة العراقية لضمان بقائها، يُرجح أن تنزع الأجنحة الأيديولوجية المتشددة نحو تبني استراتيجية «حرب العصابات» وإثارة الفوضى، مما يهدد الاستقرار الداخلي للبلاد.
ختاماً، لن تقتصر تأثيرات هذه الحرب على الأبعاد الاستراتيجية والسياسية والأمنية فحسب، بل ستتعداها لتشمل القطاع الاقتصادي بشكل حيوي. فبالإضافة إلى الأزمة الراهنة المتمثلة في إغلاق مضيق هرمز وتأثيره المباشر على صادرات النفط العراقية —التي تُعد الشريان الأساسي للاقتصاد والمورد الرئيس للدخل القومي— يبرز خطر آخر يتعلق بسيادة القرار المالي. ففي حال عجز العراق عن النأي بنفسه عن دائرة النفوذ الإيراني، أو في حال فقدان السيطرة على الفصائل الحليفة لطهران وتصاعد عملياتها ضد المصالح الأمريكية، فمن المرجح أن تلجأ واشنطن إلى استخدام «سلاح الدولار» كورقة ضغط على الحكومة العراقية. ولا يُستبعد في حالات التصعيد القصوى أن تفرض الولايات المتحدة عقوبات مالية صارمة على القطاع المصرفي العراقي، الأمر الذي قد يؤدي إلى انهيار اقتصادي شامل، ومن ثم شلل تام في قدرات أي حكومة تتولى السلطة في ذلك الحين.
المحور الثاني إسرائيل والعراق: إعادة هندسة المنطقة وتغيير موازين القوى
في خضم الحرب الدائرة بين المحور (الأمريكي – الإسرائيلي) و (الإيراني)، قد تتقارب أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن رؤيتهما ومنطلقاتهما الاستراتيجية ليست متطابقة بالضرورة. ومع ذلك، ثمة تقاطع في المصالح الاستراتيجية تجاه العراق، يمكن إجمال نقاطه المشتركة فيما يلي:
النقاط المشتركة:
1-يرى الطرفان ضرورة ترسيخ مكانة العراق كجزء فاعل في المنظومة العربية، واستدراجه نحو التحالفات العسكرية والأمنية والاقتصادية المنبثقة عن إعادة تشكيل التكتلات الإقليمية الجديدة (New Regionalism) في المستقبل.
2-العراق طرف من إتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي بموجبها عليه أن لا يشكل تهديدا لأمن الاطراف المتمحورة اقليميا مع امريكا؛ إذ تؤسس الاتفاقية الأمنية العراقية-الأمريكية إطاراً استراتيجياً بعيد المدى، وكفيلة بضمان شراكة وصداقة مستدامة بين الطرفين.
3-يعد العراق جزءًا من دائرة تبادل القوة في المنطقة الإقليمية – إن لم يكن هو المحور الأساسي لهذه التغيرات – ويجب ألا يكون عائقًا أمام مصالح إسرائيل والولايات المتحدة.
النقاط الخلافية:
1-تختلف المعايير الإسرائيلية في قراءة مستقبل توازن القوى في المنطقة؛ إذ تنظر تل أبيب بعين العداوة لكل قوة إقليمية لا تشكل تهديداً هجومياً فحسب، بل حتى تلك التي تمتلك قدرات دفاعية ذاتية تمكنها من الممانعة، لكن لا يفكر الأميركيون بهذه الطريقة.
2-تنظر إسرائيل إلى العراق بوصفه امتداداً للفكر والنفوذ الإيرانيين، وترى في تمركز السلطة بيد القوى الشيعية تهديداً أمنياً مباشراً. ولكن ينظر الأميركيون إلى الشيعة نظرة مختلفة، فهم لا يرفضون بالمطلق مرشحي «إطار التنسيق» لرئاسة الوزراء، بل ينصبُّون اعتراضهم حصراً على الشخصيات التي تحظى بدعم إيراني مباشر، أو تلك التي تُبدي ممانعة في تفكيك الفصائل المسلحة الموالية لطهران
3-يتشابه المنظور الإسرائيلي مع المنظور الإيراني في ربط مفهوم «السلام الشامل» حصراً بفرض الاستقرار العسكري خلف الحدود، بينما تتبنى واشنطن رؤية مغايرة. وتنظر إسرائيل إلى العراق من منظور واحد، فتربط أمنها واستقرارها بضرورة إخراج العراق من دائرة نفوذ القوى التي تنظر إلى السلام والأمن كما تنظر إليهما هي.
4-تمحورت الرؤية الأمريكية حول التحفظ على تشريع قانون هيئة الحشد الشعبي ككيان مستقل، محذرةً من مأسسة «قوة موازية» للجيش العراقي تمتلك ميزانية وتدريباً واقتصادا مستقلاً. لذا، تتركز المطالب الأمريكية على ضرورة الدمج الهيكلي لهذه القوة ضمن صنوف القوات المسلحة، بحيث تخضع تماماً لسلطة القائد العام للقوات المسلحة، وتكون مرجعيتها وولاؤها للعراق حصراً.
وعلى النقيض من ذلك، تعاملت إسرائيل مع هذه القوى بوصفها ممثلا مباشراً لإيران؛ لذا فهي ترى أن دمجها في صنوف الجيش العراقي سيؤدي إلى تفاقم المعضلة، حيث سيتيح لقادة هذه الفصائل الاستفادة من القدرات العسكرية والخبرات الاستشارية الأمريكية وقوات التحالف، وتوظيفها لصالح خصوم إسرائيل. ومن جهة أخرى، اعتبر الإسرائيليون أن عملية الدمج تعني شرعنة وكلاء إيران؛ لذا يتمحور المقترح الإسرائيلي حول ضرورة تفكيك هذه القوى من جذورها أو تقويض وجودها بالكامل.
بناءً على ما تقدم، يمكن استنتاج أن الصراع القائم بين محور (الولايات المتحدة – إسرائيل) و (إيران) يتجاوز كونه مواجهة محدودة أو متوسطة النطاق؛ إنه صراع إقليمي شامل تتسع رقعته يوماً بعد يوم. ورغم القراءات التي تشير إلى أن نهاية الحرب في إيران ستؤدي بالضرورة إلى وضع أوزار الصراعات الأخرى، إلا أن الواقع يؤكد أن الغاية الجوهرية من هذه الحرب هي إعادة هندسة المنطقة (Regional Redesign) وتغيير موازين القوى. وعليه، حتى وإن توقفت الحرب مع الإيران، فإنها قد تستمر في مناطق أخرى، مفرزةً خارطة سياسية جديدة وعمليات إحلال وتبديل في مراكز النفوذ. هذه المعادلة تنطبق تماماً على الواقع العراقي الراهن، حيث بدأت ملامحها وتداعياتها تتبلور بوضوح، وهو ذات الهدف الاستراتيجي الذي تسعى إسرائيل لتحقيقه في العراق وتعمل جاهدةً على إنفاذه.
المحور الثالث الولايات المتحدة والعراق: الانقطاع والحياد مقابل الضمانات الاقتصادية
أدت التطورات العسكرية المباشرة بين محور (واشنطن – تل أبيب) من جهة، و (طهران) من جهة أخرى، إلى إعادة تموضع العراق في قلب المعادلات الاستراتيجية الأمريكية؛ فالعراق يقع في عمق ميدان الحرب. وفي الوقت الذي تبذل فيه الحكومة العراقية مساعٍ دبلوماسية لخفض حدة التوتر، فإن الضغوط الأمريكية المتمثلة في (التهديد بالعقوبات المالية والضغط العسكري)، والضغوط الإيرانية المتمثلة في (تحركات الفصائل المسلحة)، جعلت من الحياد العراقي أمراً شبه مستحيل.
لقد تجاوزت واشنطن في رؤيتها للعراق كونه مجرد شريك أمني تقليدي، بل باتت تتعامل معه بوصفه مساحة استراتيجية حتمية، يمكن أن تتحول إلى ممر حيوي ومؤثر في هذا الصراع، سواء لجهة تقويض النفوذ الإيراني أو تعزيزه. بناءً على ذلك، ترتكز المقاربة الأمريكية الحالية تجاه العراق على مبدأ مزدوج: «منع الانهيار وكبح الهيمنة» في آن واحد؛ أي الحفاظ على استقرار الدولة العراقية من جهة، والحيلولة دون سقوط العراق بالكامل تحت المظلة الاستراتيجية الإيرانية من جهة أخرى.
تستند هذه الرؤية الثابتة لواشنطن إلى تعقيد البنية السياسية في العراق، حيث تتقاطع وتتشابك مراكز قوى متعددة، تشمل الحكومة الاتحادية، والفصائل المسلحة، والمكونات المحلية. لقد حتّم هذا الواقع على واشنطن انتهاج «سياسة المسارين»؛ التي تقوم على دعم المؤسسات الرسمية للدولة، وفي المقابل استخدام أدوات الضغط لتقويض نفوذ الجماعات المسلحة ومنع استحواذها على القرار السياسي والسيادي العراقي. ولا سيما أن نفوذ هذه الجماعات قد تصاعد بشكل ملحوظ عقب الانتخابات البرلمانية الأخيرة، مع بروز نزعة واضحة للارتباط العضوي بإيران والتأثير المباشر في رسم ملامح الحكومة المقبلة. لذا، فإن الأولوية القصوى للولايات المتحدة تكمن في ضمان عدم تحول العراق إلى قاعدة انطلاق للهجمات أو ممراً للدعم اللوجستي الإيراني. وترى واشنطن أن حكومة بغداد تتحمل المسؤولية المباشرة عن أي صواريخ أو طائرات مسيرة تنطلق من الأراضي العراقية باتجاه المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية. وفي هذا السياق، أبلغت إدارة ترامب المسؤولين العراقيين في نهاية شهر شباط/فبراير الماضي برغبتها في «تجنيب العراق ويلات الهجمات»، بيد أن ذلك يظل مشروطاً بقدرة الدولة على كبح جماح الفصائل المسلحة.
وما يزيد المشهد تعقيداً هو وضع الحكومة العراقية الحالية بوصفها «حكومة تصريف أعمال»؛ والجانب السلبي لهذه الحكومة يتمثل في خلق «الفراغ السلطوي» الناجم عن هذا الوضع، والتي تحدّ من قدرة الدولة على اتخاذ قرارات سيادية حاسمة أو فرض السيطرة على القوى المسلحة غير النظامية. وهذا ما أدى بالضرورة إلى تقويض الموقف الرسمي للدولة في سعيها لتخفيف تداعيات الحرب والاستجابة للمطالب والاشتراطات الأمريكية.
أهداف الولايات المتحدة في العراق
تسعى إدارة ترامب، في خضم هذه المواجهة العسكرية، إلى تحقيق أربعة أهداف متكاملة في الساحة العراقية، وهي كالتالي:
1-تعطيل وعزل «وحدة الساحات» والضغط على الحكومة العراقية لمنع الفصائل المسلحة من تحويل الأراضي العراقية إلى منصات لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه إسرائيل، أو القواعد الأمريكية في الداخل العراقي ودول الخليج.
2-ضمان بقاء الأجواء العراقية ممرًا جويًا آمنًا وفعالًا للطائرات الأمريكية والإسرائيلية المقاتلة لتنفيذ عمليات في العمق الإيراني. وتشير بعض الإحصاءات إلى أن ما معدله 18 إلى 24 مقاتلة حربية تعبر الأجواء العراقية يوميًا في إطار هذه المهام.
3-الحفاظ على أمن الطاقة والحيلولة دون توقف صادرات النفط العراقي لضمان إمدادات الطاقة في الأسواق الدولية، لا سيما في ظل التهديدات الإيرانية المستمرة لسد مضيق هرمز. وتتخوف واشنطن من أن يؤدي تجاوز سعر برميل النفط حاجز 100 دولار إلى تصاعد القلق لدى الحلفاء في أوروبا وجنوب شرق آسيا، الذين يعتمدون بشكل رئيسي على موارد الطاقة من العراق ودول الخليج.
4-تجريد الحرس الثوري من المواقع والملاجئ، ومنع قادته من استخدام العراق كعمق اشتراتيجي أو «جبهة ثانية» للحرب لإدارة العمليات العسكرية، ولاسيما بعد الضربات المركزة التي وجهتها الولايات المتحدة وإسرائيل لمراكز القيادة العليا التابعة للحرس الثوري في طهران ومدن إيرانية أخرى.
الخيارات والسيناريوهات الأمريكية في العراق عشيّة الحرب
في سبيل تحييد العراق وعزله عن تداعيات الحرب الدائرة بين محور (إسرائيل – الولايات المتحدة) و (إيران)، أو منع «وحدة الساحات»، تتأرجح السياسة والمواقف الأمريكية تجاه الدولة العراقية بين عدة خيارات استراتيجية:
الخيار الأول: تستمر أميركا في دعم الحكومة العراقية من أجل تعزيز سيادتها وقبضتها على الأجواء والحدود الوطنية، مقابل تقديم ضمانات أمنية مرتبطة بقدرة بغداد على كبح جماح الفصائل المسلحة. تهدف واشنطن من هذا الخيار إلى منع انزلاق العراق ليصبح «جبهة ثانية» في الحرب، والحفاظ عليه كـ «منطقة عازلة» (Buffer Zone) تحول دون استخدام إيران للأراضي العراقية كمنصات صاروخية أو ممرات لوجستية باتجاه لبنان خارج الحدود.
الخيار الثاني: في حال فقدان الحكومة الاتحادية السيطرة على القرار السيادي والأمني، قد تتجه واشنطن نحو تعزيز وجودها العسكري والاستراتيجي في إقليم كردستان و غربي العراق، والتعامل مع هذه المناطق ككيانات شبه مستقلة من الناحية الأمنية. يهدف هذا الخيار إلى خلق «مناطق نفوذ محمية» توفر قدرات المراقبة والتدخل السريع، دون الانخراط المباشر في صراعات واسعة النطاق، لا سيما داخل مراكز المدن الكبرى.
الخيار الثالث: الاستهداف الممنهج للبنية التحتية للقوى السياسية والفصائل المسلحة داخل دولة العراق القريبة جغرافيا من إيران، وتحويل البلاد إلى ساحة نهائية لإنهاء النفوذ الإيراني. ومع أن واشنطن تتجنب هذا الخيار حالياً لكونه يهدد وحدة الدولة وكيانها، إلا أنه يظل قائماً كـ «خيار استراتيجي أخير» في حال تعرض المصالح الأمريكية أو قطاع الطاقة والبنية التحتية النفطية لهجمات كبرى من قبل الفصائل الموالية لطهران. لذا، تسعى الولايات المتحدة للحفاظ على مستوى من الاستقرار يضمن تدفق النفط، مع تحفيز التهدئة وحماية المنشآت الحيوية من استهداف الجماعات المسلحة.
الخيار الرابع: سلاح الضغط المالي والنقدي، يظل البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الأداة الأكثر فاعلية للسيطرة على السيولة النقدية في العراق. وتستخدم واشنطن سياسة «تقييد الحوالات والتدفقات المالية» لضمان عدم وصول العملة الصعبة إلى الشبكات المرتبطة بإيران، مما يجعل النظام المالي العراقي تحت الرقابة المباشرة.
في الختام، لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق في أعقاب صراع (أمريكا – إسرائيل) و(إيران) بعد مارس 2026 شكلاً من أشكال التعاون الطوعي، بل استحالت إلى عملية «إدارة للأزمات المتلاحقة» في ظل استمرار الحرب.
يعيش العراق هاجس الانهيار الاقتصادي الشامل إذا ما ترجم البنك الفيدرالي الأمريكي تحذيراته إلى إجراءات عقابية، بينما تخشى الولايات المتحدة فقدان العراق كركيزة أساسية لوجودها في الشرق الأوسط. وفي ظل هذا المشهد المعقد، ترغب بغداد (كدولة) وواشنطن (كطرف رئيس في الحرب) في إبقاء العراق ضمن «المنطقة الرمادية»؛ إلا أن ديمومة هذا الوضع واستقراره رهينة بقدرة العراق على حماية البعثات الدبلوماسية والمصالح الأمريكية، مقابل الحصول على ضمانات اقتصادية تحول دون انهيار نظامه السياسي.
المحور الرابع إيران والعراق: «وحدة الساحات» ومحور المقاومة
يرتكز الرهان الإيراني الحالي على استراتيجية «وقف الحرب» وضمان «بقاء النظام»؛ ولتحقيق ذلك، تجد طهران نفسها بحاجة إلى تفعيل أوراق عدة لطالما اعتبرتها عمقاً حيوياً لها، وعملت على إعدادها طيلة عقود لمواجهة مثل هذه الظروف الحرجة. في هذا السياق، يبرز العراق كدولة خليجية محورية تسعى إيران تارةً إلى استدراجها للانخراط في الصراع، وتارةً أخرى للاستعانة بها كحليف في قضايا محددة. ووفقاً للمنظور الإيراني، يمكن للعراق والعراقيين أداء الأدوار التالية في ذروة الحرب:
1-الجغرافيا والفصائل العراقية كجزء من استراتيجية «وحدة الساحات”: يتمثل هذا الدور في تحويل الميدان العراقي (الوسط والجنوب) -على غرار الساحة اللبنانية وأماكن أخرى- إلى منطلق لشن هجمات تستهدف المصالح والقواعد التابعة للولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما. وتعد هذه الأطروحة استراتيجية ثابتة تم العمل عليها منذ عهد المرشد الثاني (خامنئي الأول)، حيث تبلورت تحت مسمى «وحدة الساحات». وقد تجلت تداعيات هذه الاستراتيجية في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر، حين فَعّل حلفاء طهران في لبنان واليمن وسوريا هذه الجبهات لصالح الأجندة الإيرانية وإسناداً لحركة حماس. وقبل أسبوع من اندلاع حرب 28 فبراير، أكد علي خامنئي أن أي مواجهة مقبلة لن تقتصر ساحتها على إيران وحدها، في إشارة واضحة إلى أن العراق يمثل أحد تلك الميادين الأساسية. وحتى اللحظة، أبدت عدة فصائل عراقية منضوية تحت لواء «المقاومة» التزاماً بهذا «الوصية الاستراتيجية». كما جاءت الرسالة الأولى لـ (خامنئي الثاني) لتؤكد الاستمرار على ذات النهج، حيث جدد شكره ودعوته لـ «المقاومة الشيعية» في العراق لمواصلة عملياتها، مما يؤكد أن العراق يمثل ساحة عملياتية أصيلة في استراتيجية إدارة الحرب الإيرانية.
2-التطلعات الإيرانية من الحكومة العراقية:
أولا: تتبنى طهران رؤية تقضي بضرورة أن يكون «الحياد العراقي» حياداً إيجابياً لصالحها؛ بمعنى ألا تتماهى بغداد مع المواقف الأمريكية، بل أن توفر الغطاء لحلفاء طهران، وتؤمن الحدود، وتمنع استخدام القواعد العراقية من قبل الجانبين الأمريكي والإسرائيلي. وقد حققت إيران نجاحاً نسبياً في هذا المسار، نظراً لأن جزءا من التشكيلة الوزارية الحالية تعكس بصمات السياسة الإيرانية وتضم في بنيتها قوى حليفة لها. ومع ذلك، أدى هذا الوضع إلى وضع رئيس الوزراء وكابينته في وضع حرج؛ فعلى الرغم من محاولات الحكومة إظهار التوازن والوقوف على مسافة واحدة من واشنطن وطهران، إلا أنها أصبحت هدفاً للطرفين، حيث تعرضت السيادة والأراضي العراقية لارتدادات الحرب وتداعياتها المباشرة بشكل يماثل ما تعرضت له طهران وتل أبيب.
أما فيما يخص عملية تشكيل الحكومة العراقية القادمة، فإن إيران تصر على خيارين لا ثالث لهما: إما تعطيل تشكيلها وتأجيل الملف إلى إشعار آخر، أو ضمان ولادة حكومة تدور في فلك نفوذها وتتوافق توجهاتها مع الأجندة الإيرانية. ورغم إخفاق طهران حتى الآن في فرض تشكيل حكومة بهذا المقاس، إلا أنها نجحت فعلياً في تعطيل عملية تشكيل أي حكومة قد تتبنى توجهاً مناوئاً لمصالحها.
ثانياً: اعتمدت طهران في إطار سعيها لإجبار واشنطن على وقف الحرب على «ملف الطاقة»؛ حيث لجأت إلى تهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز لرفع أسعار الطاقة عالمياً، ودفع الدول المصدرة إلى تعليق إنتاجها. وقد حققت إيران نجاحاً ملموساً في هذا المسار، حيث قفزت أسعار النفط في الأسواق العالمية إلى خانات ثلاثية (تجاوزت الـ 100 دولار). وفي هذا المشهد، يبرز العراق كحلقة جوهرية؛ لكونه دولة من الدول المُصدّرة عبر الخليج (باستثناء إقليم كردستان) ودولة منتجة رئيسية، فضلاً عن خضوع كابينته الحكومية لنفوذ طهران، مما يجعل تمرير الأجندة الإيرانية فيه أيسر مقارنة بدول أخرى. وقد أدى هذا الواقع إلى تعليق صادرات النفط العراقي من الجنوب، سواء كان ذلك بمحض إرادته أو تحت وطأة الضرورة.
وفي محاولة من رئيس الوزراء العراقي (السوداني) لاسترضاء الجانب الأمريكي، اتجه نحو خيار استئناف التصدير عبر أنابيب إقليم كردستان وأبرم اتفاقاً بهذا الشأن. غير أن هذه الخطوة، كغيرها من المواقف العراقية، تحمل أبعاداً مزدوجة؛ فكميات النفط المصدرة عبر الإقليم أقل بكثير من صادراته الخليجية، فضلاً عن المخاطر الأمنية التي تحيط بسلامة الأنابيب. ومع ذلك، يتيح هذا الموقف المزدوج للسوداني تحقيق نصف أهداف طهران (بتقليص المعروض النفطي الكلي)، وفي الوقت ذاته، إعطاء انطباع لواشنطن بأن توقف صادرات الجنوب لم يكن فعلاً متعمداً، سعياً منه لإرضاء الجانب الأمريكي.
ثالثاً: أما فيما يخص إقليم كردستان: تتمحور الرؤية الإيرانية تجاه إقليم كردستان حول ضرورة تأمين الإقليم لأكثر الجبهات الحدودية خطورة بالنسبة لطهران، وضمان عدم تحول حدودها الغربية (شرق كردستان) إلى ساحة مفتوحة للصراع. وتطالب طهران الإقليم بمنع تحركات المعارضة الإيرانية، والحيلولة دون استخدام أراضيه كمنصات لخدمة المصالح الأمريكية والإسرائيلية. ورغم التزام الإقليم بهذه التفاهمات حتى الآن، إلا أن «إدارة الحرب» من المنظور الإيراني لم تأخذ هذا الالتزام بعين الاعتبار، بل على النقيض، لم يتم تحييد ساحة الإقليم عسكرياً، بل عوملت كجزء من بنك الأهداف الذي يشمل تل أبيب ودول الخليج؛ حيث تعرضت مدن ومناطق الإقليم لأكثر من 300 استهداف مباشر. والمفارقة هنا تكمن في أن حجم الخسائر البشرية والمادية الناجمة عن هذه الهجمات في الإقليم قد تجاوزت نظيرتها لدى الجانب الأمريكي، رغم أن الولايات المتحدة هي الطرف المباشر في الصراع، بينما لا يزال الإقليم رسمياً خارج دائرة المواجهة المباشرة.
تأسيساً على ما سبق، يمكن القول إن الرؤية الإيرانية تجاه العراق قد تبلورت ضمن أربعة مستويات استراتيجية متكاملة:
أولا، تتعامل طهران مع مناطق وسط وجنوب العراق بوصفها جزءاً أصيلاً من استراتيجية «وحدة الجبهات»، حيث يُفترض بهذه المناطق تقديم الإسناد المباشر والميداني لتساعد طهران في مجهودها الحربي.
ثانيا، نجحت إيران في إقحام العراق عملياً ضمن استراتيجيتها الحربية عبر ملف الطاقة، من خلال الضغط باتجاه تعليق الصادرات النفطية. ويُعد هذا تكتيكاً إيرانياً يهدف إلى إحراج الإدارة الأمريكية أمام الرأي العام الداخلي والدولي، عبر رفع أسعار الطاقة العالمية لدفع المجتمع الدولي لممارسة ضغوط على واشنطن لإنهاء الحرب.
ثالثا، صحيح أن طهران أخفقت في تشكيل حكومة موالية لها، إلا أنها نجحت حتى الآن في منع ولادة أي حكومة ذات توجهات وطنية مستقلة أو مائلة نحو المحور الأمريكي.
رابعا: أما على مستوى إقليم كردستان، تتعامل طهران مع أراضي الإقليم -من الناحية العملياتية- بوصفها ساحة نفوذ للخصوم والأعداء، وهو ما يفسر الهجمات الصاروخية اليومية. ومع ذلك، فقد استفادت طهران سياسياً في «موقف التهدئة» الذي تبنته أحزاب المعارضة الكردية الإيرانية (التي راعت وضع الإقليم)، بالإضافة إلى موقف الحياد الذي اتخذته حكومة وأحزاب الإقليم؛ مما ضمن لإيران بقاء حدودها الشرقية (مع كردستان العراق) خارج دائرة الحرب المفتوحة، رغم استمرار استهدافها لعمق الإقليم.
بيد أن كل هذه المرتكزات الإستراتيجية التي تعول عليها طهران في العراق، تواجه تحديات بنيوية كبرى؛ ففي ظل حالة الاختلال في موازين القوى العسكرية، واستنزاف القدرات الإيرانية، وتضرر حكومة طهران جراء استمرار الضربات الأمريكية والإسرائيلية المركزة، فإن هذه الإجراءات الإيرانية في العراق -وإن صيغت كإستراتيجيات بعيدة المدى- قد تصبح مجرد تكتيكات دفاعية قاصرة وغير فعالة في المدى المتوسط. ومع تكثيف الضغط العسكري المباشر، لن يتمكن العراق (جغرافيا وشعباً) من الحفاظ على دوره الوظيفي كظهير مساند لتوازن القوى الإيراني. بل إن المؤشرات تشير إلى احتمالية فقدان طهران لزمام المبادرة والسيطرة على المسارات السياسية في بغداد؛ وبدلاً من أن يظل العراق جزءاً من «العمق الإستراتيجي» الإيراني، قد يتجه نحو تبني سياسات مناوئة لطهران، أو في أدنى المستويات، التحول إلى «دولة جارة اعتيادية» تتحرر من سطوة الهيمنة والنفوذ العابر للحدود.
الخاتمة:
مع اندلاع الحرب بين محور (الولايات المتحدة – إسرائيل) و (إيران) في أواخر شهر شباط/فبراير من عام 2026، تحول العراق إلى الميدان الرئيسي لهذا الصراع، ليجد نفسه أمام منعطف تاريخي حاسم على المستوى الخارجي. فقد يؤدي الصراع الأميركي – الإيراني ضد إيران إلى إنهاء الحقبة التي كان فيها العراق «منطقة رمادية» أو ساحة لـ «الحروب بالوكالة»، ومن المحتمل أن تدفع الحرب بالبلاد نحو الانزلاق النهائي والتموضع ضمن أحد أطراف الصراع.
لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تدعم الحكومة العراقية، وتتجنب انزلاق البلاد نحو الانحياز الكامل لأي طرف في الحرب. وفي الوقت ذاته، تسعى جاهدة لـ «تحجيم واحتواء» كافة الفصائل المسلحة الموالية لطهران والتي تخوض حرباً بالوكالة ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
أما فيما يخص إسرائيل، فإنها -رغم وجود قواسم استراتيجية مشتركة مع واشنطن- تنظر إلى العراق بوصفه امتداداً حيوياً وأيديولوجياً للمجال الإيراني؛ فهي ترى في السلطة الشيعية الحالية تهديداً أمنياً، وتطالب بالتفكيك الشامل لكافة القوى والفصائل المسلحة غير النظامية.
ولكن ما يهم الإيرانيين هو الحفاظ على العراق كـ «جبهة ثانية» للصراع، وضمان استمرار الفصائل المسلحة في استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية. كما تسعى إيران لفرض مفهوم «الحياد الإيجابي» على الحكومة العراقية؛ بحيث يكون حياداً يخدم أجندتها حصراً، ويمنع أي شكل من أشكال التعاون أو التماهي مع المواقف الأمريكية.
أما على المستوى الداخلي العراقي، فإن إطالة أمد الحرب من شأنها أن تزيد من تعقيد العلاقات بين المكونات الرئيسية (السنة، الكرد، والشيعة)، وقد يؤدي وجود الأطراف والجهات داخل المكونات المذكورة إلى تأزيم الصراعات داخل البيت الشيعي. إن مستقبل تشكيل الحكومة الجديدة واختيار رئيس الوزراء القادم مرهون بمدى قدرة العراق على النأي بنفسه عن سياسة المحاور، وترسيخ مكانته كدولة ذات سيادة كاملة.
وفيما يخص استراتيجية إقليم كردستان تجاه هذه الصراعات، فقد تبنى الإقليم موقفاً يتجاوز الحياد التقليدي؛ إذ أعلن رسمياً منذ البداية رفضه لخيار الحرب، مؤكداً أن تفعيل القنوات الدبلوماسية هو السبيل الأمثل لتجنيب المنطقة مزيداً من الدمار. وفي هذا الصدد، أوضح الإقليم لكل من الجانبين الأمريكي والإيراني، وللحكومة الاتحادية أيضاً، بأنه ليس طرفاً في هذه النزاعات، ولن يسمح بأن تتحول أراضيه إلى ساحة للحرب أو مصدراً لتهديد أي طرف كان. ومن الأهمية بمكان أن يستمر إقليم كردستان على هذا النهج بوصفه عامل استقرار وأمن في المنطقة، مع مراعاة المصالح الحيوية لكافة أطراف الصراع دون تمييز.

