كتابة: عماد أحمد
ترجمة: نرمين عثمان محمد/ عن موقع صحيفة كوردستاني نوى
في وقتٍ تتحرك فيه منطقة الشرق الأوسط بين اختلال التوازنات وظهور معادلات جديدة، لا يستطيع العراق وإقليم كوردستان أن يعزلا نفسيهما عن هذه التأثيرات، فتصاعد الصراعات الإقليمية، وتعقّد العلاقات الدولية، إلى جانب الأزمات والغموض الداخلي، كلها تطرح سؤالاً جوهرياً أمام الفرد الكوردي ألا وهو: ما هي الاستراتيجية الصحيحة لبقاء واستقرار إقليم كوردستان؟
الإجابة على هذا السؤال ليست سهلة، لكن من وجهة نظرنا، بوصفنا من الكوادر القديمة في الاتحاد الوطني الكوردستاني وخدّام هذا الوطن، فإن السبيل يكمن فقط في السياسة المرنة، والحوار، وفهم ومعرفة موازين القوى، والقراءة الواعية لمسار التطورات،فالسياسة فنّ وحكمة، وإذا افتقدت الرؤية الواضحة في أساسها، تحولت إلى تبعية. وما نفعله اليوم هو الذي يرسم حدود مستقبلنا.
في هذا الوضع، يصبح الهدوء وبُعد النظر والحوار دواءً لكل داء،وهذه ليست مجرد كلمات سياسية، بل ضرورات مصيرية، فالقوى والكتل التي لا تستطيع تحقيق التوازن بين القوة والعقل، وبين الصراع والتوازن، وبين الشراكة والمصلحة الوطنية، سرعان ما تقع تحت تأثير “اللعبة الكبرى”، وكما أشار هنري كيسنجر، فإن السياسة تكشف معناها الحقيقي في أوقات الأزمات، لأن الشعوب تُجبر حينها على الاختيار بين ما تريده وما تستطيع تحقيقه، ومن هذا المنطلق، فإن العودة إلى المدرسة السياسية للرئيس الراحل جلال طالباني ليست استذكاراً للماضي فحسب، بل ضرورة حاضرة، فمدرسة الراحل مام جلال لم تكن مدرسة للسياسة اللينة فقط، بل مدرسة للاستراتيجية الذكية، حيث كان الحوار والقوة والتوازن عناصر حاسمة.
لقد علّمنا مام جلال أن السياسة ليست فنّ فرض الانتصار، بل فنّ إدارة الاختلافات ،فالنجاح في السياسة يكون لمن يعرف نفسه وخصمه، لا لمن يتصرف بعقلية ” أتصرّف كأنني لا أسمع ولا أرى، ولا أعترف بأحد “. ومن أبرز الاختبارات القائمة اليوم العلاقة بين الإقليم وبغداد، فبغداد تمثل مختبراً دائماً لهذه العلاقة، وأي خطأ فيها يكون مكلفاً للغاية، وتُظهر تجارب الماضي بأن قطع العلاقات ليس حلاً، بل تعميقٌ للأزمات، كما أن الاحتماء بالدستور ليست عصاً سحرية، إذ لا يمكن لأي دستور أن يكون حلاً بحد ذاته من دون إرادة سياسية حقيقية، لذلك، يجب أن تقترن العودة إلى الدستور بإرادة صادقة للحوار والتفاهم.
في منطقة معقّدة، لا يكون الحوار خياراً، بل قدراً، والحياد الحقيقي لا يعني الابتعاد عن الجميع، بل هي القدرة على الاقتراب من جميع الأطراف دون فقدان الذات، أما الذين ينخرطون في الصراعات ويبالغون في الاصطفاف في المقدمة، فإنهم يتحولون في النهاية إلى أدوات بيد الآخرين.
اليوم يقف الاتحاد الوطني الكوردستاني، بوصفه قوة كبيرة وذات مكانة خاصة في الساحة الكوردستانية، ووريث نهج مام جلال، أمام اختبار جديد، فالوطنية تكتسب معناها الحقيقي حين تتخذ القرارات الصحيحة والسليمة في أوقات الأزمات، وأي سياسة لا تخدم الحاضر، تُضيّع المستقبل، إن إرث تلك المدرسة مسؤولية كبيرة على عاتقنا، وهذه المسؤولية لا تعني فقط حفظ الماضي، بل صناعة المستقبل.
فالتاريخ يقف دائماً إلى جانب من يتخذون القرار، لا إلى جانب من يكتفون بالانتظار، والأزمات ليست دائماً خطراً، بل قد تكون أحياناً بوابةً لقرارات كبرى.
وفي الختام نقول بالكوردية والكرمانجية*: إن الاستراتيجية الحقيقية ليست تلك التي تكتفي بالرد على الأزمات، بل التي تستطيع صناعة المستقبل، فالأمة التي لا تحدد مستقبلها، يكتبه لها الخصوم .
إن إستراتيجية بناء المستقبل هي تلك التي تستطيع تغيير مسارالمستقبل، فالشعوب لا تموت في الأزمات، بل تُدحض وتموت في غياب القرار والنهج ،والبقاء لا يتحقق بالقوة المادية وحدها، بل بالعقل والبصيرة التي تدرك الزمان والمكان، فالمستقبل لمن يصنعون أنفسهم، لا لمن ينتظرون الأحداث فقط، وما نختاره اليوم هو ما يرسم حدود غدنا، المستقبل لمن يملكون قوة القرار، لا لمن يملكون القوة فقط.
رحم الله مام غفور (مامه غه فه) الذي كان يقول دائماً:
“من يكسب رزقه من العاصفة، تأخذ الرياح رزقه”!
*بالكوردية والكرمانجية: مقولة مجازية شائعة في اللغة الكوردية يقصد بها “نقول بإقتضاب ، أو مختصر القول”.

