د. عدالت عبدالله
إن قيم الديمقراطية واستحقاقات نظامها السياسي التي يُفترض أن ننعم بها، لا تعني بالضرورة التأويل المفتوح لكل ما تتضمنه ولا تعني إطلاقاً أن يشهد مسار العملية السياسية في العراق مزيداً من التأزّم والاهتزازات السياسية والقبول بها كمسلمات. فالعراق بحاجة إلى أن تكون قواه السياسية على قدرٍ عال من الوعي السياسي العميق والمسؤولية مع إمعان النظر في الخيارات والاختيارات من حيث التدبير والمواقف التي تُتخذ إزاء أي قضية أو ملف يخص حاضر العراقيين ومستقبلهم.
إن البلد لا يتحمل أكثر من ذلك أن تُهدر الطاقات وتُستنزف القدرات الوطنية في سبيل جماعات سياسية معينة وأجنداتها الخاصة، ولا هو بحاجة إلى المزيد من الصراعات التقليدية التي تستهدف في نهاية المطاف روح المسؤولية الوطنية، والتي تكمن اليوم، وفي هذه الحقبة التاريخية بالذات، في تجنيب البلد التوترات الإقليمية واحتمالات اندلاع حروب متوقعة طالما تُطبّل لها جهارًا قوى دولية وإقليمية لمرام خاصة بها.
العراق بلد لا يريد أن يكون ضحية لمرام الغير، ولا أن يكون جزءاً من أجندة الآخرين. ومسؤولية الحفاظ عليه اليوم لا تقع على عاتق أحد بقدر ما تقع على كاهل الأحزاب السياسية الرئيسة والفاعلة التي تتحكم بمسار العملية السياسية وبمقدرات البلد، وتحتل المواقع القيادية في الدولة ومرافقها.
نلاحظ من حين لآخر، وبذريعة تغيير الأوضاع القائمة في البلد واجتياز التحديات والتهديدات الخارجية والداخلية، تقارباً مشبوهاً بين بعض الأحزاب، وإعلان تحالفات سياسية، والحديث عن إنقاذ البلد من أزماته الاقتصادية والإدارية والمالية، وإصلاح أحوال البلاد والعباد، وشعارات أخرى من هذا القبيل.
صحيح أن الديمقراطية تحتم بلورة استقطابات سياسية يكون الهدف منها مبدئياً توحيد الجهود والمواقف من أجل نصرة قضايا وطنية ومتطلبات مجتمعية، وصحيح أيضاً أن النظام السياسي نفسه يكفل حرية التنظيم السياسي والاجتماع والإجماع، ولكن مع ذلك ثمة أصول ديمقراطية في بناء الخطاب والسياسات لا تقوم على لغة نفي الآخر من العملية السياسية لا رمزياً ولا ضمنياً ولا مباشرة، ولا على محاولة شيطنته وتبرئة الذات وتقديمها في صورة الملائكة!. فضلًا عن أن أي طرف سياسي آخر من حقه أيضًا أن تكون له أجندته الخاصة، وأن يسعى إلى تشكيل استقطابات سياسية معينة مع أطراف أخرى، وأن يبلور مواقفه بشأن القضايا العامة وأمور البلاد، لاسيما أن الإقرار بهذا الحق يمثل هو الآخر انعكاساً لمبادئ النظام الديمقراطي والحد الأدنى من الحريات السياسية.
بعبارة أخرى، إن للجميع في هذا البلد الحق في أن تكون لهم مشاريع سياسية ورؤى مختلفة بخصوص أحوال البلاد وسبل التصدي للتحديات والتهديدات، سواء الخارجية منها أم الداخلية. ولا يحق لأي جهة أو جبهة سياسية أن تصادر هذا الحق أو تشكك في مشروعيته أو تحتكره لنفسها دون غيرها بذارئع واهية أو من خلال مزايدات سياسية. فالكل اليوم مسؤول، بشكل أو بآخر، عما آل إليه البلد من صراعات وحروب وأزمات، والكل منوط به أيضاً مسؤولية الإسهام بمشروعه الخاص لتحسين أوضاع البلاد والعباد، وإبعادهما عن أشباح الحروب الدولية والفتن الداخلية، مع الإقرار مسبقاً بأنه لا يمكن إنقاذ البلد و تحسين أوضاعه نحو الأفضل من دون توحيد الجهود والمشاريع والرؤى وبلورتها في إطار وطني جامع وموحّد.
إن ما ينبغي الالتزام به اليوم ليس إلا التواصل والحوار الوطني لتوحيد المشاريع والمواقف، لا الركض وراء الاستقطابات أو التحالفات الكيدية والمؤججة لمزيد من الصراعات والتقاطعات السياسية المركبة والعقيمة. فالعراق بحاجة إلى طاقات الجميع، والدولة بمؤسساتها المختلفة هي الأداة الحقيقية والآلية المشروعة لتوحيد الصفوف وتدعيم مكانة البلد بين الدول وإعادة العافية إليه. وعليه يستوجب الابتعاد حتماً عن أي مواقف أو خطابات أو شعارات من شأنها إثارة البلبلة والقلق السياسي بين أبناء البلد الواحد، أو هدم الثقة بين الفرقاء السياسيين، أو منح الأعداء فرصة التدخل وضرب مصالح العراقيين وتحقيق مراميهم على حساب حاضر مكوّنات الشعب والدولة العراقية ومستقبلهم.

