تحلّ علينا اليوم الذكرى الـ35 للهجرة المليونية لشعب كوردستان، التي وقعت في الثاني من نيسان عام 1991، بوصفها واحدة من أبرز المحطات التاريخية في مسيرة الكورد نحو الحرية، وحدثا مفصليا كشف للعالم حجم المأساة التي عاشها هذا الشعب تحت حكم النظام البعثي.
الشرارة الاولى
وبدأت شرارة الأحداث في 31 آذار 1991 مع انطلاق انتفاضة شعب إقليم كوردستان ضد الظلم والاستبداد، غير أن التصعيد اللاحق دفع أكثر من مليوني كردي إلى ترك منازلهم في مشهد إنساني مأساوي عُرف لاحقًا بـ”الهجرة الجماعية”، حيث توجهت جموع المدنيين نحو المناطق الحدودية أو إلى الدول المجاورة، هربا من القمع والانتهاكات.
موقف جماعي
وشكّلت هذه الهجرة موقفا جماعيا رافضا للحياة تحت حكم ديكتاتوري، ورسالة واضحة مفادها تفضيل الحرية على البقاء تحت سلطة القمع، حتى وإن كان الثمن النزوح والتشرد. وقد اعتُبرت هذه الخطوة منعطفا تاريخيا مهما لكوردستان، إذ ساهمت في تعريف المجتمع الدولي بمعاناة الكرد بشكل غير مسبوق.
كارثة إنسانية
وأظهرت الصور ومقاطع الفيديو التي بثّتها وسائل الإعلام العالمية آنذاك حجم الكارثة الإنسانية، حيث أثارت مشاعر الرأي العام الدولي، وكشفت بوضوح الانتهاكات التي ارتكبها النظام البعثي. كما عكست تلك المشاهد وحدة الصف الكردي وإصراره على مقاومة القمع، ما أدى إلى زيادة الضغط الدولي على النظام العراقي في ذلك الوقت.
تدخل دولي
وفي أعقاب هذه الأحداث، تحركت القوى الدولية، حيث فرضت الدول الحليفة منطقة حظر جوي لحماية المدنيين، في خطوة ساهمت في الحد من الانتهاكات.
كما أصدر مجلس الأمن الدولي في 5 نيسان 1991 قراره رقم 688، الذي أدان فيه ممارسات النظام ضد الكرد، ومهّد الطريق لبدء عمليات الإغاثة الإنسانية وتوفير الحماية لسكان الإقليم.
نقطة تحول سياسية
ويرى مراقبون أن الهجرة المليونية، رغم ما رافقها من خسائر بشرية ومآسٍ إنسانية، شكّلت نقطة تحول سياسية كبرى، إذ ساهمت في إنهاء نفوذ النظام البعثي في أجزاء واسعة من كوردستان، ومهّدت لإجراء أول انتخابات برلمانية في الإقليم عام 1992، والتي أرست أسس الحكم الذاتي.
كما كان لهذا الحدث تأثير يتجاوز الإطار المحلي، إذ أسهم في ترسيخ مبدأ التدخل الإنساني في القضايا الدولية، وأعاد طرح القضية الكردية على الساحة العالمية باعتبارها قضية شعب يسعى لنيل حقوقه المشروعة.
دروس عبر
وفي الذكرى الـ35، يؤكد مختصون أن استحضار دروس الهجرة المليونية يكتسب أهمية خاصة في ظل التحديات الراهنة، مشددين على ضرورة استمرار التعريف بالقضية الكردية على المستوى الدولي، والعمل على ترسيخ الحقوق السياسية للشعب الكردي، بما ينسجم مع تضحياته التاريخية.
كما يشيرون إلى أهمية البناء على تلك المرحلة في تعزيز الحوار السياسي بين الحكومة الاتحادية في العراق وإقليم كوردستان، بما يسهم في تحقيق الاستقرار وضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
إرادة شعب
وتبقى الهجرة المليونية، رغم مرور العقود، شاهدا حيا على إرادة شعب اختار الحرية، ورسّخ حضوره في الوعي العالمي كقضية إنسانية وسياسية لا يمكن تجاهلها.

