كتابة : عماد أحمد
ترجمة : نرمين عثمان محمد / عن موقع صحيفة كوردستاني نوى
نادرًا ما توقفتُ مترددًا أمام كتابة مقال كما حدث مع هذا الموضوع ،إذ أشعر هنا بثقل مسؤولية كبيرة، وكشخصٍ يضع نظارته أحيانًا ليرى التفاصيل بدقة ويزيلها أحيانًا أخرى، تنقلتُ أنا أيضًا بين التأمل والواقع، حتى تكون كلماتي صادقة وذات معنى.
نحن نعيش في زمنٍ يعيد فيه التاريخ كتابة نفسه بسرعة، فالحرب، بوصفها ظاهرة تاريخية، شهدت تحولات جذرية، فإذا كان صوت الرصاص وغبار الميدان في الماضي يشكلان هوية الحرب، فإنها اليوم تبدأ من السماء، من حيث لا يُرى الإنسان، بل تتخذ “عقول بلا روح “قرارات الحياة والموت.
هذا ليس مجرد تغير في الأدوات، بل تحول في فلسفة الحرب ذاتها، فقد انتقلت المواجهة من “قوة الجسد”إلى “الذكاء الاصطناعي والتقدم التكنولوجي”، ومن “مواجهة الجنود وجهاً لوجه “إلى “مواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ”، وفي هذه المعادلة، يصبح القتل أسهل والموت بلا هوية،إذ يقتل أحدهم من بعيد، بينما لا يدرك الآخر من أين أتاه الموت، هذا الواقع يضعف الإحساس بالمسؤولية الإنسانية، ويحوّل الإنسان إلى مجرد رقم على شاشة باردة.
إذا كان هولاكو قد احتاج أربعين عامًا من الحروب ليصل من منغوليا إلى بغداد ويدمر الخلافة، فإن صاروخًا واحدًا “فائق السرعة” اليوم يمكنه خلال دقائق معدودة إحداث الدمار ذاته، وفي خضم هذه التحولات، أصبح إقليم كردستان من دون إرادته ساحةً لحربٍ لم يكن صانع قرارها ولا بادئها، فقد تحولت سماؤه إلى ممر لعبور الطائرات المسيّرة والصواريخ، وإلى مختبرٍ لعرض هيمنة القوى المختلفة.
وما يدعو للأسف هو التبدل السريع في المعادلات السياسية،فصديق الأمس يصبح عدو اليوم، وغالبًا ما تكون السياسة أشد سخونة من الحرب، إذ تُفتح جراح جديدة خلف ستار المصالح.
وقد أثبت التاريخ أن كوردستان تدفع دائمًا ثمن “محبي الحروب”، أولئك الذين يقاتلون من أجل سلطتهم لا من أجل سلام الشعوب، وفي خضم ذلك، يصبح القلق رفيقًا يوميًا للمواطن، بينما تتحول الأزمات المالية والميزانية والرواتب إلى ضحايا حربٍ عبثية.
في الوقت ذاته، تسعى بعض القوى إلى جرّنا قسرًا وبغير حق إلى الانحياز لمحور معين، وهذا خذلان تاريخي جديد، لأن التاريخ لا يسجل الأحداث فقط، بل يدوّن أيضًا من أُجبر على أن يكون وقودًا في لعبة الصراعات.
لا تزال كوردستان تدفع ثمن موقعها الجغرافي، إذ وجدت نفسها في قلب دوامة الحروب الكبرى دون أن تمتلك السيطرة الكاملة على مصيرها،ومع ذلك، وسط هذا الضباب، لا يزال صوت الإنسان البسيط مرتفعًا،صوتٌ متعطش للسلام والعدالة ولم يفقد الأمل.
وفي الختام، ينبغي على إقليم كوردستان، وسط هذه التعقيدات السياسية والعسكرية، أن يحافظ على موقفه المستقل والعقلاني،يجب ألا يتحول إلى ملحق تابعٍ لاستراتيجيات الآخرين، بل عليه أن ينأى بنفسه عن نيران الحروب الدولية، إن حماية الأرض والمواطن، وبناء الوحدة الداخلية، هما الأساس الوحيد للنجاح، ففي زمن الحرب، ليست القوة في السلاح وحده، بل في “الوحدة والحكمة السياسية”.
وإذا ما تمسكنا بهذا النهج، فثمة أمل في أن تتحول كردستان من “ضحية مستمرة” إلى “فاعل مؤثر”؛ فاعل لا يحمي نفسه فحسب، بل يصبح مفتاحًا للتوازن والسلام في المنطقة.