*محمد شيخ عثمان
ليست كل التواريخ سواء في ذاكرة الشعوب، فبعضها يمر كحدث عابر، وبعضها يتحول إلى علامة فارقة تعيد تعريف المسار السياسي والوطني ومن بين هذه التواريخ، تبرز ذكرى انتخاب مام جلال رئيسا لجمهورية العراق بوصفها لحظة استثنائية لا يمكن وضعها في سياق عادي أو مقارنتها بغيرها من محطات تداول السلطة.
خصوصية هذه الذكرى لا تنبع فقط من كونها محطة دستورية، بل لأنها تمثل تحولا نوعيا في بنية النظام السياسي العراقي، وفي طبيعة العلاقة بين مكوناته، وفي مفهوم الشرعية ذاته.
—اول رئيس منتخب ديمقراطيا في تاريخ الجمهورية —
على امتداد تاريخ الجمهورية العراقية منذ عام 1958، لم يكن منصب رئيس الجمهورية نتاج عملية ديمقراطية حقيقية، فقد تعاقبت الانقلابات العسكرية، وفرضت السلطات عبر القوة، او عبر استفتاءات شكلية وانتخابات صورية تفتقر الى ادنى معايير التنافس والشفافية.
وفي هذا السياق، جاء انتخاب مام جلال ليشكل القطيعة الاوضح مع هذا الارث الثقيل حيث تم انتخابه عبر عملية سياسية دستورية، شاركت فيها قوى متعددة، وجرى وفق توازنات برلمانية حقيقية، ما جعله اول رئيس في تاريخ العراق يصل الى هذا المنصب عبر مسار ديمقراطي فعلي، لا عبر فوهة بندقية او نتائج معدة سلفا.
وهذا بحد ذاته يمنح الذكرى قيمة وطنية تتجاوز الشخص، لتلامس جوهر التحول من دولة الانقلابات الى دولة المؤسسات.
— اول رئيس كردي ..كسر لسياسات الاقصاء والانكار—
الرمزية الثانية التي تضاعف من اهمية هذه الذكرى، هي كون مام جلال اول كردي يتبوأ منصب رئاسة الجمهورية في العراق وهو امر لا يمكن فصله عن سياق تاريخي طويل من التهميش والانكار الذي تعرض له الشعب الكردي، وصولا الى حملات الابادة الجماعية والانفال.
ان وصول شخصية كردية الى اعلى منصب سيادي في الدولة العراقية لم يكن مجرد استحقاق سياسي، بل كان تعبيرا عن اعتراف متاخر بحقوق شعب، وعن بداية مرحلة جديدة تقوم على الشراكة بدل الهيمنة، وعلى التعدد بدل الاقصاء.
لقد حمل هذا الحدث رسالة عميقة مفادها ان العراق لم يعد دولة مكون واحد، بل وطن لجميع مكوناته، وان العدالة السياسية يمكن ان تتحقق بعد عقود من الظلم.
— من بيشمركة كردستان الى بيشمركة العراق —
واللافت للنظر، والذي يعكس جوهر هذه التجربة الفريدة، ان الرئيس مام جلال لم يتعامل مع منصبه بوصفه موقعا بروتوكوليا، بل كمسؤولية وطنية عليا مارسها بمنتهى الاخلاص والالتزام. ففي اول تصريح صحفي له بعد انتخابه، قال عبارته الشهيرة: “كنت قبلا بيشمركة كردستان، اما الآن فأنا بيشمركة العراق”، في تحول رمزي عميق من الانتماء الجغرافي الى الانتماء الوطني الشامل.
ولم تكن هذه الكلمات مجرد خطاب سياسي، بل ترجمت الى ممارسة فعلية، حيث حرص على حماية الدستور، وصون العملية السياسية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ التعايش بين جميع المكونات. وقد نجح في اداء هذا الدور بحكمة وحنكة لافتتين، متجاوزا الاستقطابات الحادة التي شهدتها البلاد.
ولهذا، لم يكن غريبا ان يُوصف من قبل المرجعيات الدينية الكبرى، وكذلك من قبل الساسة العراقيين والدوليين، بأنه “صمام امان العراق” و”خيمته الجامعة”، في اشارة الى قدرته الاستثنائية على احتواء الازمات وجمع الفرقاء تحت سقف وطني واحد.
— لماذا تبقى هذه الذكرى دون غيرها؟—


