عباس عبدالرزاق
لم يكن السادس من نيسان 2005 مجرد تاريخٍ في سجلّ التحولات العراقية، بل لحظةً تأسيسية أعادت تعريف معنى الدولة نفسها. ففي ذلك اليوم، انتُخب الرئیس جلال طالباني رئيسًا لجمهورية العراق، ليصبح أول رئيس يُختار عبر عملية سياسية تعددية بعد عقود من الحكم الشمولي، وأول كردي يتبوأ هذا المنصب في تاريخ البلاد.
ذلك الحدث لم يكن رمزيًا فحسب، بل حمل في طيّاته إعادة تركيب عميقة لمفهوم الشرعية السياسية في عراق ما بعد غزو العراق 2003. إذ لم تعد الشرعية تُستمد من الغلبة أو من إرث الدولة المركزية الصلبة، بل من قدرة النظام الجديد على تمثيل التعدد، واحتواء التناقضات، وصياغة عقدٍ سياسيٍّ قابل للحياة.
من “رجل قضية” إلى “رجل دولة”
عرف العراقيون طالباني طويلًا بوصفه قائدًا كرديًا، وأحد أبرز وجوه النضال السياسي في كردستان. لكن انتقاله إلى رئاسة الجمهورية لم يكن مجرد ترقية سياسية، بل تحوّل في الوظيفة والدور: من تمثيل قضية إلى إدارة دولة.
في هذا الانتقال، برزت ميزة نادرة في القيادة السياسية: القدرة على التكيّف دون التفريط. فقد حافظ على هويته السياسية والتاريخية، لكنه أعاد صياغتها ضمن أفق وطني أوسع، جعل منه نقطة التقاء بدل أن يبقى طرفًا في معادلة الصراع.
التوافق كاستراتيجية بقاء
في سنواتٍ كانت الدولة العراقية فيها أقرب إلى الهشاشة البنيوية، اختار طالباني أن يجعل من التوافق السياسي ليس مجرد تكتيك مرحلي، بل قاعدة عمل دائمة. لم يكن ذلك خيارًا مثاليًا بقدر ما كان إدراكًا عميقًا لطبيعة اللحظة: دولة خارجة من الانهيار، مجتمع متعدد ومجروح، ونخب سياسية لم تختبر بعدُ قواعد اللعبة الديمقراطية. و من هنا، جاء دوره كـ”صمام أمان” ليس بوصفه لقبًا إعلاميًا، بل توصيفًا لوظيفة سياسية حقيقية و التوسط بين الفرقاء و منع انزلاق الخلافات إلى صدام مفتوحإبقاء خطوط الاتصال قائمة حتى في أشد اللحظات توترًا .
و في ذروة العنف الطائفي (2006–2007)، لم يكن العراق بحاجة إلى رئيس قوي بالمعنى السلطوي، بل إلى رئيس قادر على تفكيك الأزمات لا تفجيرها.
دبلوماسية التوازن في حقل ألغام إقليم
خارجيًا، تحرك طالباني في واحدة من أكثر البيئات الإقليمية تعقيدًا. العراق لم يكن دولةً مكتملة السيادة بقدر ما كان ساحة تداخل مصالح بين قوى كبرى وإقليمية. ومع ذلك، نجح في رسم ملامح سياسة تقوم على التوازن لا الاصطفاف: و حافظ على قنوات مفتوحة مع الولايات المتحدة بوصفها القوة الحاضرة على الأرض و في الوقت نفسه، لم يقطع مع إيران، بل أبقى العلاقة ضمن حدود المصالح ، وانتهج خطابًا مطمئنًا تجاه دول الجوار، خصوصًا تركيا
هذه الدبلوماسية الشخصية — التي اعتمدت على شبكة علاقاته الواسعة — ساهمت في تخفيف حدّة الاستقطاب، ومنحت العراق هامش حركة في لحظة كان فيها مقيّدًا بشدة.
الفيدرالية كحل… لا كمشكلة
من بين أكثر الملفات حساسية، كان موقف طالباني من الفيدرالية حاسمًا. فقد دافع عنها بوصفها إطارًا لإدارة التنوع، لا مدخلًا للتفكك. ضمن هذا التصور، لم تكن الدولة الاتحادية تنازلًا من المركز، بل إعادة تعريف له: مركزٌ يتقاسم السلطة بدل أن يحتكرها، ويستوعب الأطراف بدل أن يصادمها. وقد انعكس هذا التوجه في دعم الدستور العراقي 2005، الذي شكّل الأساس القانوني للنظام الجديد، رغم كل ما اعتراه لاحقًا من تعثرات في التطبيق.
بين النجاح والحدود
ليس من الدقة اختزال تجربة طالباني في صورة مثالية. فقد واجهت رئاسته حدودًا موضوعية: مؤسسات دولة لم تكتمل بعد و نظام سياسي قائم على المحاصصة
و تدخلات خارجية مستمرة و انقسامات داخلية عميقة و لكن ضمن هذه الشروط، يمكن القول إن نجاحه لم يكن في بناء نموذج مكتمل، بل في منع الانهيار، وفي إبقاء الدولة قائمة حين كانت كل عوامل التفكك حاضرة.
إرثٌ يتجاوز اللحظة
اليوم، وبعد أكثر من عقدين على انتخابه، تبدو تجربة مام جلال أقرب إلى مرجع سياسي منها إلى مجرد مرحلة تاريخية. و في زمن تتصاعد فيه الاستقطابات، يعود درسه الأبرز ليطرح نفسه بقوة: أن الدولة في المجتمعات المركّبة لا تُدار بالغلبة، بل بالتوازن؛ ولا تُحمى بالإقصاء، بل بالقدرة على جمع المتناقضات ضمن حد أدنى مشترك.
خاتمة


