كتابة: عماد أحمد
ترجمة: نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كودستاني نوى
في ليلةٍ مظلمة، حين يعانق البحرُ السماء، يشعر الإنسان أن حتى أحلامه قد تضيع في ذلك الفراغ.
كوردستان، هذا الوطن الجميل المليء بالجبال والسهول والأنهار، ينزف من الداخل، جرحٌ لا يسيل دمه بسيوف الأعداء، بل بصمته هو.
شباب الإقليم، أولئك الذين كان ينبغي أن يكونوا نواة المستقبل، يجدون أنفسهم بين شبح البطالة وغياب الفرص، فيسلكون طريقًا غريبًا ومأساويًا،يضعون أحلامهم داخل أوراق جوازات السفر والقوارب الصغيرة، ويسلمونها لأمواج البحر، لكن ذلك البحر الذي يفترض أن يكون طريق الحياة، يتحول إلى مقبرة صامتة. مأساة بحر إيجة تكتب في كل مرة تاريخًا مغمورًا بالألم والحزن.
طفلٌ رضيع، كان من المفترض أن يحلّق كطائر الفينيق نحو الشمس، يغفو في نومه الأبدي على ضفاف البحر، تلك الصورة لوحةٌ لوطنٍ جريح، صامت، لكن صرخته تُصمّ آذان الكون، ذلك الطفل ليس مجرد جثمان، بل هو تجسيدٌ لكل الأحلام التي لم تصل إلى الشاطئ.
في خانقين، وعلى ضفاف نهر (ئەڵوەن)، حتى أيام الصيف لم تعد خالية من الهموم ، بعض الشباب، أثناء السباحة، ومن دون إدراك لمكر أعماق المياه، يسلمون أنفسهم لمصيرٍ لا عودة منه، ذلك النهر الذي كان يومًا يغني للفرح: (ئای ئەڵوەند ، ئای ئەڵوەند)يحمل اليوم ختم حزنٍ عميق.
كوردستان ما زالت جميلة وعزيزة، لكن التهاون في الإدارة وغموض المستقبل أصبحا ذريعةً للهجرة، الذين يرحلون يشبهون الطيور المهاجرة، لكن مع فارقٍ كبير، الطيور تعرف إلى أين تتجه، أما إنساننا فيرفرف بين الأمل واليأس، وكما ورد في رواية “رجال تحت الشمس” لغسان كنفاني ليس على أحد أن يسأل :
(لماذا أولئك الذين غرقوا داخل الصهريج، بعدما اختبأوا فيه ليعبروا من البصرة إلى الكويت، لم يطرقوا باب الصهريج حتى يستيقظ العالم؟)
ولا يزال السؤال نفسه يتردد في أمواج بحر إيجة: لماذا لم تُسمع أصوات أحلامنا؟
المهرّبون، بجشعهم وقسوتهم، يحوّلون الإنسان إلى سلعة، والقوارب، بدل أن تكون وسيلة نجاة، تتحول إلى أقفاص موت ،داخل تلك الأقفاص، يصبح الرجال والنساء، الشيوخ والأطفال، في ليلةٍ واحدة، حكايةً لم تُروَ.
يجب أن نقول: إن الإنسان لا يترك أرضه إلا حين تموت الآمال في قلبه، وكما يقول ألبير كامو:
“في قلب الظلام، يجب على الإنسان أن يبحث عن معنى النور”،لكن حين يهيمن الظلام على كل شيء، لا يعود النور يُرى إلا في الأحلام.
أوروبا، في المخيلة والصورة العامة، تبدو كأنها الجنة، لكنها في الواقع قد تكون باردة وقاسية أحيانًا من يصل إليها ليس دائمًا مخطئًا، لكنه ليس دائمًا مرتاحًا أيضًا، الخسارة الكبرى لكوردستان تكمن في أنها تفقد أفضل ثرواتها، شبابها، أولئك الذين كان ينبغي أن يصنعوا المستقبل، فيتحولون إلى ذكريات مريرة.
بين النهر والحلم، يختار الإنسان دائمًا الحلم،إن أصبح الوطن حضنًا لهذه الأحلام، تعود الحياة،وإن لم يكن كذلك، فسيبقى البحر بانتظار مأساة جديدة، وستطول ليالينا وتزداد ظلمة، لكن بلا شك، بعض الأحلام لا تنكسر، بل تغرق بصمت، بلا صراخ، كأنها لم تكن يومًا، يأخذ البحر كل شيء، الأسماء، الوجوه، الابتسامات، حتى كلماتهم الأخيرة.
ثم يبقى صمتٌ أثقل من أي صرخة، يقولون إن البشر يموتون، لكن هنا يموت شيء آخر: الأمل، وحين يموت الأمل، يتحول الوطن تدريجيًا إلى صورةٍ على ورق، في تلك الليلة، لم يأخذ البحر أجساد البشر فقط، بل أخذ مستقبلاً كاملاً.
ومع ذلك، في الصباح، حين أشرقت الشمس، لم يتغير شيء سوى أن العالم أصبح أفقر ببضعة أحلام.