بمناسبة مرور 26 عاماً على رحيل الأستاذ إبراهيم أحمد
“إبراهيم أحمد.. الجبل الذي نقش تاريخ الكورد بالقلم والنضال”
بقلم: نرمين عثمان محمد
تمر السنوات ولا يزال اسم إبراهيم أحمد (1914 – 2000) يتردد في الأوساط الكوردية ليس فقط كقائد سياسي، بل كمنارة فكرية استطاعت صياغة الوجدان القومي. فمنذ لحظة ولادته في مدينة السليمانية وحتى وفاته في غربته بلندن في 8 نيسان عام 2000، رسم “بله” –كما كان يحلو لأصدقائه المقربين مناداته– مساراً نادراً مزج فيه بين حنكة القانون، وبراعة السياسة، ورقة الأدب.
السياسي الذي لم تكسره العواصف
لم يكن إبراهيم أحمد مجرد كادر حزبي، بل كان مفكراً من طراز رفيع، فبعد تخرجه في كلية الحقوق بجامعة بغداد عام 1937، سخر علومه القانونية لخدمة القضية الكوردية. وفي المرحلة الحساسة من الخمسينيات، تولى قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني كسكرتير عام، كما لعب دوراً جوهرياً في تأسيس الاتحاد الوطني الكوردستاني عام 1975، ليضع بذلك حجر الأساس لمرحلة جديدة من النضال التحرري القائم على الوعي والتنظيم.
الأدب كجبهة للنضال
في الوقت الذي كانت فيه الرصاصة هي المتحدثة، اختار إبراهيم أحمد القلم ليكون صوتاً لمن لا صوت لهم، ويتفق النقاد على اعتباره “أب الرواية الكوردية المعاصرة”، وذلك بفضل أبداعه الأدبي في روايته”مخاض الشعب” لتي كتبها في منتصف الخمسينيات ،لم تكن هذه الرواية مجرد سرد أدبي، بل كانت تصويراً دقيقاً لآلام الكورد وتطلعاتهم نحو الحرية، كما أسس مجلة “گەلاوێژ”التي كانت بمثابة جامعة ثقافية أخرّجت عشرات المبدعين وحمت اللغة الكوردية من الضياع.
.
“جائزة بله”؛ إرث مستدام
كي لا تبقى ذكراه محبوسة بين صفحات الكتب، استُحدثت “جائزة بله” السنوية التي تُمنح في ذكرى رحيله، لقد تجاوزت هذه الجائزة كونها تكريماً رمزياً لتصبح وساماً وطنياً يُمنح للمبدعين في مجالات الأدب، النضال السياسي، والأعمال الإنسانية. وهي رسالة وفاء تؤكد أن القيم التي ناضل من أجلها إبراهيم أحمد –كالديمقراطية، وحقوق الإنسان، والتنوير– ما زالت بوصلة تهتدي بها الأجيال الحالية والقادمة.
ودّع إبراهيم أحمد الحياة بجسده في لندن، ولكن حين عاد جثمانه ليحتضنه تراب السليمانية، ترك خلفه مدرسة فكرية لا تموت، مدرسة تؤمن بأن تحرير الأرض يبدأ أولاً وقبل كل شيء من تحرير العقل.

