في الذكرى السادسة والأربعين لإعدام مجموعة “ههڵۆی سوور”، تستعيد الذاكرة الكردية ملحمة مقاومة نادرة خُططت في قلب العاصمة العراقية وأربكت جهاز الأمن البعثي في عز احتفاله بانتصاراته
في صباح العاشر من أبريل (نيسان) عام ألف وتسعمائة وثمانية وسبعين، كانت بغداد تسير في روتينها المعتاد حين دوّت طلقات في منطقة الخلاني وسط العاصمة، أسقطت رجلاً كان النظام البعثي يضعه حارساً على لسان الكرد وهويتهم. لم يكن ما جرى مجرد عملية اغتيال سياسية، بل كان إعلاناً صاخباً بأن المقاومة الكردية لم تمت مع انهيار ثورة أيلول، وأنها تجد لنفسها أشكالاً جديدة تنبثق من أعمق جروحها.
ستة وأربعون عاماً تفصلنا عن تلك اللحظة. غير أن ذكرى الشهداء الستة — الملازم جوامير، وسلام عبدالرزاق، وسلمان حاجي داود، وجمال محمد سعيد، وعادل، وشيرو — لا تزال تُشعل جدلاً حياً حول معنى المقاومة وحدودها وأثمانها.
المشهد التأسيسي: هزيمة أنجبت ثورة
لا يمكن فهم ما فعله “الصقر الأحمر” دون استيعاب الكارثة التي سبقته. ففي مارس (آذار) عام ألف وتسعمائة وخمسة وسبعين، وقّع نظام صدام حسين واتفاق الجزائر مع شاه إيران، فانهارت ثورة أيلول الكردية بشكل مفاجئ، وتشتت قيادة الحركة، وعادت آلاف الأسر النازحة إلى مناطق تسيطر عليها بغداد. كان الجرح عميقاً، والإحباط يكاد يكون تاماً.
لكن ثمة جيلاً لم يقبل بالهزيمة بوصفها نهاية. وفي قلب بغداد، بعيداً عن الجبال التي طالما كانت ملاذ المقاومة الكردية، بدأ عدد من الشبان ذوي الخلفيات المختلفة في بناء خلية سرية أطلقوا عليها اسم “خوێنی شهید” أي “دم الشهيد”. كان هؤلاء يفهمون أن المقاومة بحاجة إلى أن تتجدد في أشكال جديدة تتناسب مع المرحلة.
تقاطعت مسارات هذه الخلية مع تنظيمات حزب كومله الكردي، وجاء الرابط عبر الحاج داود، والد الشهيد سلمان لاحقاً، الذي أيقن أن العمل المعزول لا يُفضي إلى نتيجة. فأشار على ابنه وزملائه بضرورة الانتظام ضمن إطار أشمل يوفر لهم الدعم والتوجيه. وقد قبل الحزب بذلك، ليُشكَّل لاحقاً تنظيم “ههڵۆی سوور”، الصقر الأحمر، بوصفه ذراعاً سرية تجمع عناصر من مستويات مختلفة تحت قيادة الملازم جوامير القادم من منطقة قره داغ.
الرجل الذي أسكت لغة شعب
لم يكن اختيار عثمان فائق هدفاً للعملية قراراً عشوائياً. فهذا الرجل كان يشغل منصباً وزارياً، ويتولى الإشراف على دار الطباعة والنشر الكردية في بغداد، غير أنه حوّل هذه المؤسسة إلى أداة قمع بدلاً من نافذة ثقافية. كان يفرض رقابة خانقة تمنع كتابة كلمات “كُرد” و”كردستان” و”كردايتي” في المطبوعات، ويُعامل الهوية الكردية باعتبارها تهديداً يجب تحجيمه لا ثقافة يجب صونها.
يصفه شهود تلك الحقبة بأنه كان “رأس حربة الحصار الثقافي على الكرد في بغداد”، وأن وجوده على رأس هذه المؤسسة كان إهانة مضاعفة، كون السلطة لجأت إلى أحد أبناء الشعب الكردي أداةً لاضطهاد ثقافته.
وضع التنظيم خطة محكمة. رصد سلام عبدالرزاق وسلمان وجمال تحركات عثمان فائق، وتتبعوا مواعيد دخوله وخروجه من دار النشر بالقرب من مسجد الخلاني، حتى أمسكوا باللحظة المناسبة. وفي لمح البصر، نفّذ الثلاثة الحكم وتفرقوا في الأزقة.
تقول الخاتون إحلام منصور، التي كانت تعمل في دار النشر آنذاك، وفق ما رُوي عنها: “كنت عند الباب، رأيته ينزل من السيارة، ثم سمعت أصوات الرصاص وسقط. لم نرَ أحداً. ولم يكد أحد يصدق أن هذا يحدث في وقت كان النظام يحتفل بانتصاره على البيشمركة.”
شبكة الاستخبارات والإخفاق المزدوج
لم تمضِ فترة طويلة حتى أدركت أجهزة الأمن البعثية أن ثمة تنظيماً منظماً يعمل في العاصمة. وحين وصل الملازم جوامير إلى بغداد لإعادة هيكلة التنظيم وتحضيره لعمليات لاحقة، وجد أن الأجهزة باتت تشمّ رائحة شيء ما، وإن كانت لا تعرف بالضبط من يقف وراء العملية. في هذه المرحلة، برزت واحدة من أكثر القصص إيلاماً في الرواية؛ إذ تشير الوثيقة الأرشيفية
تشير المعطيات إلى أن أحد المندسين، المدعو كاوه، كان يزوّد دوائر الأمن بمعلومات دقيقة عن تحركات المجموعة. وفي إطار متابعة هذه التحركات، نصبت الأجهزة الأمنية كمينًا لهم داخل جامعة المستنصرية أثناء تنفيذهم مهمة محددة. إلا أن أفراد المجموعة تمكنوا من اكتشاف الكمين في الوقت المناسب، فانسحبوا من الموقع وتفادوا الاعتقال.
غير أن كاظم وقع في قبضة الأجهزة الأمنية، وتشير الشهادات إلى أنه، تحت وطأة التعذيب، أدلى باعترافات تتعلق بنشاط المجموعة
إلى أن أحد أفراد التنظيم المعروف بـ”كاظم” لم يتحمل ضغط الاستجواب فأفضى ببعض المعلومات إلى أجهزة الأمن. غير أن الملازم جوامير كان قد تعامل مع هذا الاحتمال مسبقاً، فلم يُطلع هذا العنصر على التفاصيل الجوهرية للخطط، مما حدّ من حجم الضرر.
كانت ثمة فرصة للإفلات. حين دلّت المعلومات المسرّبة على مكان سلام عبدالرزاق في منزل أخته، أخبره المحيطون به بأنه يستطيع الفرار عبر السطح. لكن سلام، الشاعر الذي ترجم قناعاته إلى أفعال، آثر تسليم نفسه. وتُشير الروايات إلى أنه فعل ذلك حفاظاً على بنات أخته من أي أذى محتمل. وهكذا اعتُقل سلام وجمال وسلمان، ثم لحق بهم جوامير لاحقاً حين اعتُقل بملابس النوم بعد محاولته الفرار من منطقة بتاوين.
خلف القضبان: المقاومة لا تتوقف
ما جرى داخل زنازين الأمن العام يكشف عن بُعد آخر من أبعاد هذه الملحمة. فبدلاً من الانكسار أمام آلة التعذيب، واصل الستة تنظيم أنفسهم داخل السجن، وخططوا لاقتحامه من الداخل. وتُشير الشهادات إلى أنهم تمكنوا في لحظة من نزع سلاح حارس حين أُحضر الطعام، لكن البندقية كانت خالية من الرصاص، فأُجهضت المحاولة، وأُعيد اعتقال سلام وجمال وسلمان بعد أن كان جوامير قد خرج من السجن مؤقتاً.
يُفيد شهود من رفاق كانوا في السجن ذاته، من أعضاء الحزب الشيوعي، بأن مسؤولي الاستجواب كانوا يستخدمون أسماء الشهداء الستة معياراً للتحدي، قائلين لمن يستجوبونهم: “هل تريدون أن تصيروا مثل جوامير ورفاقه؟” — وهو ما يكشف كيف تحوّل هؤلاء الشبان داخل جهاز القمع نفسه إلى رمز يُضرب به المثل.
الجملة الأخيرة: فلسفة في كلمتين
من بين كل ما أفرزته هذه القصة من صور ومشاهد، تبقى جملة واحدة هي الأكثر تداولاً في الذاكرة الكردية حتى اليوم. يروي ذوو سلام عبدالرزاق أنه في لقائه الأخير مع أخيه الكبير عبدالكريم، وأمه، وأخته فتحية، لم يبكِ ولم يوصِ بشيء مادي. قال فقط، بهدوء شخص لا يخشى ما هو قادم:
“كهم ژیام، بهڵام كهڵ ژیام”
(عشتُ قليلاً، لكنني عشتُ باكتمال وكرامة)
هذه الجملة التي قالها شاعر قضى حياته القصيرة يُحوّل الكلمات إلى أفعال باتت تُدرَّس في السياق الكردي بوصفها تعبيراً فلسفياً عن مفهوم الوجود الكريم، حيث لا تُقاس الحياة بامتدادها الزمني بل بعمقها الأخلاقي وكثافة معناها.
يقول الباحث في التاريخ الكردي المعاصر عباس عبدالرزاق، الذي وثّق هذه الشهادات، إن جملة سلام “تختصر ما عجزت عنه مجلدات في فلسفة المقاومة، وتضع يدها على الفارق الجوهري بين من يعيشون طويلاً ومن يعيشون بمعنى.”
التوثيق والجدل التاريخي
تستند هذه الرواية في معظمها إلى وثيقة أرشيفية نشرتها وسائل إعلام الاتحاد الوطني الكردستاني، وإلى شهادات المقربين والناجين، من بينهم الأستاذ جعفر (فاضل كريم)، و عماد أحمد، و ملا بختیار وأقارب الشهداء الذين احتفظوا بذاكرة حية لتلك الأحداث.
غير أن بعض الباحثين يُلاحظون أن الصورة الكاملة لا تزال ناقصة في جوانب عدة، لا سيما ما يتعلق بالخلافات التي نشبت داخل قيادة التنظيم حول استمرار العمليات، وقرار الإبقاء على أعضاء ههڵۆی سوور في بغداد رغم التوصيات بسحبهم، وهو ما يطرح أسئلة جدية حول المسؤولية التنظيمية عن هذا الخيار.
وتتضمن الوثيقة ذاتها إشارات إلى توترات داخلية؛ إذ يؤكد الأستاذ جعفر وكاك عماد أنهما كانا ضمن من طالبوا بسحب الأعضاء من بغداد بعد العملية الأولى، وأن القيادة لم تستجب لهذا الطلب،
لإرث الحي

