محمد شيخ عثمان
ليس من قبيل الترف التاريخي أو الجدل السياسي العقيم أن يُعاد طرح سؤال: لماذا ينبغي الاحتفاء بذكرى سقوط النظام السابق؟ بل إن هذا السؤال يرتبط مباشرة بوعي الدولة، وبقدرة المجتمع على حماية مكتسباته، وتحصين تجربته من التكرار والانهيار. فالذاكرة، حين تُهمل، تتحول إلى فراغ، وحين تُستحضر بوعي، تصبح أداة بناء واستشراف.
السقوط كحدث مؤسس لا مجرد واقعة عابرة
تكشف الوثائق خلال اكثر من عقدين من الزمن أن التاسع من نيسان 2003 لم يُنظر إليه، في الخطاب الرسمي والسياسي آنذاك، بوصفه مجرد تغيير للنظام، بل باعتباره نقطة انتقال تاريخية من حقبة الاستبداد إلى أفق الدولة التعددية. وقد تم وصفه بأنه نهاية “نظام الجور والطغيان” الذي حكم “بالحديد والنار ونشر المقابر الجماعية وحجب الحريات” .
هذا التوصيف لا يكتفي بإدانة الماضي، بل يؤسس لشرعية جديدة قائمة على نقيضه من :
– نظام دستوري تعددي بدلا من الحكم الفردي .
-فضاء للحريات السياسية والإعلامية بدلا من القمع.
-انفتاح دولي وإقليمي بدلا من العزلة.
ومن هنا، فإن الاحتفاء بالذكرى ليس تمجيدا لحدث خارجي أو ظرفي، بل تثبيت لمعنى التحول التاريخي نفسه.
الذاكرة كحاجز ضد عودة الاستبداد
فقدان الذاكرة التاريخية هو أخطر ما يمكن أن يواجه المجتمعات الخارجة من الدكتاتورية،إذ يشير بوضوح إلى أن الأنظمة الجائرة “تستولد نفسها” إذا لم يتم دحر دائرتها .
بمعنى آخر، فإن نسيان جرائم الماضي—من المقابر الجماعية إلى الحروب العبثية—يخلق بيئة نفسية وسياسية قابلة لإعادة إنتاجها. لذلك، فإن استذكار السقوط هو تذكير دائم بكلفة الاستبداد وتحذير من الشعارات التي تمجد الماضي.وايضا حماية للوعي الجمعي من التضليل.
الاحتفاء هنا اذن ليس احتفالا، بقدر ما هو تحصين تاريخي لضمان مستقبل واعد.
ادارة الاختلاف في جدلية “السقوط” و”التحرير”…
الى الان هناك تباين في توصيف الحدث حيث هناك من يسميه “سقوط بغداد”وآخرون يعدونه “يوم التحرير”.
وقد أقر الخطاب الرسمي بهذا التباين بوصفه جزءا من طبيعة النظام الديمقراطي الناشئ .
هذه الجدلية بحد ذاتها تمثل درسا سياسيا مهما:
-الديمقراطية لا تلغي الاختلاف، بل تنظمه.
-الذاكرة الوطنية ليست رواية واحدة، بل تعددية في التأويل.
-إدارة هذا الاختلاف سلميا هي جوهر النظام الجديد.
وبالتالي، فإن إحياء الذكرى يجب أن يتحول إلى مساحة حوار وطني، لا إلى ساحة صراع سرديات.
من النص إلى الواقع
حسب كل المعايير فان ما تحقق بعد 2003 لم يكن هامشيا، بل شمل تحولات بنيوية:
– صياغة دستور دائم عبر استفتاء شعبي.
– إجراء انتخابات متعددة.
– تأسيس برلمان منتخب .وحكومة تمثل مكونات المجتمع.
– إطلاق حرية الإعلام والعمل الحزبي .
هذه الإنجازات، رغم ما رافقها من تعثرات، تمثل الأساس الذي ينبغي استحضاره عند إحياء الذكرى، ليس من باب التمجيد، بل من باب تقييم المسار ببن ماتحقق ومايمكن تصحيحه.
وبذلك تتحول الذكرى هنا إلى أداة مراجعة سياسية لا مجرد مناسبة رمزية.
التحديات وضرورات الاستذكار
لن نغفل ابدا الإشارة إلى التحديات التي أعقبت السقوط، ومنها:
– الإرهاب والتدخلات الإقليمية.
– الانقسام الطائفي ومحاولات إشعال الحرب الأهلية.
– ضعف الخدمات والفساد الإداري .
وهذا يعني أن الحدث لم يكن نهاية الأزمة، بل بداية مرحلة معقدة. لذلك فإن إحياء الذكرى يكتسب أهمية مضاعفة لأنه يربط بين الماضي والحاضر و يفسر جذور الأزمات الحاليةوبالتالي يمنع اختزال التجربة في نتائجها السلبية فقط.
من الذاكرة إلى الاستلهام…
من خلال قراءة متأنية لاحداث وتطورات ومسارات العقدين الماضيين ، يمكن استخلاص مجموعة من الدروس الاستراتيجية للنخبة وصناع القرار ابرزها:
1-الديمقراطية لا تولد مكتملة بل تمر بمخاض طويل يتطلب صبرا وإرادة سياسية.
2- الشراكة الحقيقية والوحدة الوطنية شرط للاستقرار.
3- السيادة عملية تراكمية
ترتبط بارساء المواطنة الحقة والمساواة و بناء المؤسسات وتعزيز قدرات الدولة، لا بالشعارات فقط.
4- الانتقال إلى “الخندق الوطني” كضرورة تاريخية وتجاوز الانقسامات القومية والطائفية.
اخيرا ،إن إحياء ذكرى سقوط النظام لا ينبغي أن يُختزل في احتفال أو خطاب موسمي، بل يجب أن يُعاد تعريفه كممارسة للذاكرة الوطنية وفي نفس الوقت مراجعة نقدية للتجربة كي نجعل من الذكرى منصة لاستشراف المستقبل، فالبلدان التي لا تستحضر لحظاتها المفصلية بوعي، تفقد القدرة على فهم ذاتها، وتصبح أكثر عرضة لتكرار أخطائها.
أما التي تحوّل ذاكرتها إلى مشروع وطني، فإنها تملك فرصة حقيقية لبناء دولة مستقرة وعادلة.
وبهذا المعنى، فإن التاسع من نيسان ليس مجرد تاريخ… بل اختبار دائم لقدرة العراق على أن يتعلم من تاريخه، لا أن يعيد إنتاجه.


