فؤاد عثمان
تمرّ في الثاني عشر من ايلول من كل عام ذكرى رحيل القاضي والمرشد رشاد المفتي، الذي غادر الدنيا عام 1992 عن عمر قارب الثمانين عامًا، بعد مسيرة طويلة حافلة بالعطاء، لم تكن مجرد سيرة رجل دين أو قاضٍ تقليدي، بل كانت تجربة إنسانية عميقة تركت أثرها في ذاكرة مدينة أربيل، وفي وجدان كل من عرفه أو سمع عنه.
من اجل نشر اسلوبه ونهجه في التعامل لايجب علينا انتظار الذكرى السنوية بل في اي مناسبة علينا ذكر احدى خصاله الطيبة
وُلد رشاد المفتي في قلعة أربيل، تلك القلعة الضاربة جذورها في عمق التاريخ، والتي لم تكن مجرد مكان للسكن، بل كانت عالماً متكاملاً من القيم والعلاقات الإنسانية. في أزقتها الضيقة، وبين بيوتها المتلاصقة، تشكّلت شخصيته، ونمت رؤيته للحياة، حيث البساطة عنوان العيش، والتكافل روح المجتمع.
عاش المفتي بين أهل القلعة واحدًا منهم، يعرفونه ويعرفهم، يشاركهم أفراحهم وأحزانهم، ويقف إلى جانبهم في أوقات الشدة. ولم يكن منصبه كقاضٍ أو مرشد ديني حاجزًا بينه وبين الناس، بل زاده قربًا منهم، حتى أصبح مجلسه مقصدًا لكل من يبحث عن حلٍ لخلاف، أو كلمة حكمة، أو توجيه صادق.
كانت قلعة أربيل في تلك الحقبة، رغم ضيق مساحتها، تحتضن تنوعًا دينيًا واجتماعيًا لافتًا؛ حيث عاش المسلمون إلى جانب المسيحيين والإيزيديين واليهود في نسيج اجتماعي واحد، يتقاسمون الحياة اليومية بكل تفاصيلها. ولم يكن هذا التعايش وليد الصدفة، بل كان ثمرة وعي جمعي، أسهم في ترسيخه رجال دين ومجتمع، كان في مقدمتهم القاضي رشاد المفتي.
لقد أدرك المفتي مبكرًا أن الدين، في جوهره، رسالة أخلاقية وإنسانية قبل أن يكون مجموعة من الطقوس، وأن قوة المجتمع لا تُقاس بتجانسه، بل بقدرته على احتضان الاختلاف. لذلك، لم يكتفِ بدوره في القضاء والإرشاد، بل سعى إلى بناء جسور من الثقة والمحبة بين مختلف مكونات المجتمع.
كان يزور الكنائس، ويشارك المسيحيين أفراحهم ومناسباتهم، ويقدّم لهم التهاني في أعياد الميلاد ورأس السنة، كما كان يحثّ المسلمين على مبادلة هذه المبادرات بمثلها، إيمانًا منه بأن التعايش لا يُبنى بالشعارات، بل بالمواقف اليومية الصادقة. وهكذا نشأت بين أهالي القلعة علاقات تتجاوز حدود الجيرة، لتصل إلى مستوى الأخوّة الحقيقية.
ومن بين الشهادات الحيّة التي تنقل لنا صورة تلك المرحلة، ما يرويه ابنه، الكاتب والصحفي إحسان رشاد المفتي، الذي عايش والده عن قرب، وحضر مجالسه، واستمع إلى حواراته مع مختلف فئات المجتمع.
في واحدة من أجمل تلك الروايات، التي حملت عنوان “إكليل الورد والريحان – عم خليل”، تتجلى ملامح ذلك التعايش الإنساني في أبسط صوره وأكثرها صدقًا.
كان “عم خليل” رجلًا بسيطًا، يعمل حارسًا للحدائق في أربيل، ويسكن في قلعة أربيل. لم يكن ملفتًا في مظهره بقدر ما كان مميزًا في سلوكه؛ إذ اعتاد أن يحمل معه، في كل مرة يزور فيها القاضي رشاد المفتي، باقة صغيرة من الورد والريحان، يقدّمها له بمحبة صادقة.
يروي إحسان المفتي أنه، في طفولته، لم يكن يعلم أن عم خليل ينتمي إلى الديانة الإيزيدية، ولم يكن لذلك أي أهمية في نظره، لأن البيئة التي نشأ فيها، تحت ظل والده، لم تكن تعترف بمثل هذه الفوارق في التعامل الإنساني.
وفي أحد أيام الجمعة، دخل عم خليل مجلس القاضي، حاملاً باقته المعتادة، فاستقبله المفتي بابتسامة دافئة، ودعاه للجلوس بين الحاضرين، وقدّمت له القهوة كغيره من الضيوف، دون أي تمييز.
غير أن هذا المشهد البسيط أثار تساؤل بعض الحاضرين، ومنهم رجل يُعرف بـ”مام فتاح”، الذي لم يُخفِ استغرابه من حضور رجل غير مسلم إلى مجلس يُعقد في جامع، ويستمع إلى مواعظ دينية.
اقترب الرجل من القاضي، وهمس له بسؤالٍ يعكس ذهنية كانت شائعة في ذلك الزمن:
هل يجوز أن يحضر غير المسلم مثل هذه المجالس؟ وهل من المناسب قبول هديته؟هنا، تجلّت حكمة القاضي رشاد المفتي في أبهى صورها.
فبدل أن يجيب بفتوى جافة أو رد تقليدي، اختار أن يقرّب الفكرة بمثال من الحياة اليومية،
فقال له:
“أنت بقال، أليس كذلك؟ وعندما يأتيك الناس إلى دكانك، ماذا تعرض عليهم؟ هل تعرض عليهم دينك أم بضاعتك؟”
أجاب الرجل: “بل أعرض ما لدي من بضاعة لأبيعها.”
فقال المفتي:
“وكذلك نحن في المسجد، نعرض ما في ديننا من قيم الرحمة والتسامح والمحبة. فكيف نُعرّف الآخرين بهذه القيم إن أغلقنا أبوابنا في وجوههم؟ بل إن حضورهم ضروري، ليعرفوا حقيقة هذا الدين.”
بهذا الجواب العميق، لم يكتفِ المفتي بإقناع السائل، بل أعاد صياغة مفهوم الدعوة والتعايش في أذهان الحاضرين، مؤكدًا أن الانفتاح هو السبيل الحقيقي للتفاهم، وأن العزلة لا تنتج إلا مزيدًا من الجهل وسوء الفهم.
لقد كانت مواقف القاضي رشاد المفتي، في جوهرها، تطبيقًا عمليًا لقيم إنسانية كبرى، جعلت من قلعة أربيل نموذجًا مصغرًا لمجتمع متسامح، تتعايش فيه الأديان والثقافات دون صراع.
واليوم، ونحن نستذكر هذه الشخصية، لا نستحضر مجرد سيرة رجلٍ من الماضي، بل نستعيد نموذجًا نحن بأمسّ الحاجة إليه في حاضرنا؛ نموذجًا يؤمن بأن الاختلاف ليس تهديدًا، بل ثراء، وأن الإنسان، قبل أي انتماء آخر، هو قيمة يجب احترامها.
رحم الله القاضي والمرشد رشاد المفتي، الذي لم يترك وراءه ذكريات فحسب، بل ترك منهجًا في التفكير والسلوك، ما زال قادرًا على إلهام الأجيال،


