خاص للمسرى
بقلم: ملا حسين الدوسكي
هناك أناسٌ لا تكتفي بالجلوس معهم… بل تعيش معهم معنى الحياة. أناسٌ، حين تقترب منهم، يتلاشى فارق العمر، وتذوب المسافات بين التجربة والبدايات، لأنهم يمتلكون تلك القدرة النادرة على الإقناع؛ لا بالكلمات فحسب، بل بحضورهم الإنساني العميق. ومن بين هؤلاء، كان الأديب الرحّالة بدل رفو، الذي منح مساء دهوك معنىً آخر للمعرفة والدهشة.

في مجلسٍ امتلأ بالعلم والأدب، لم يكن اللقاء مجرد سيمينار، بل كان عالماً مفتوحاً على احتمالات لا تنتهي. فتح بدل رفو ملفاتٍ كثيرة، محلية وعالمية، تنقّل بينها بخفة المسافر العارف، وبعمق المفكّر الذي لا يكتفي بالسطح. كان القاسم المشترك في كل ما طرحه هو تلك المعادلة الصعبة: عمق الفكرة وبساطة التعبير، دون تكلّفٍ مصطنع أو مصطلحاتٍ براقة تخفي فراغها.

وحين كان يتحدث عن أدب الرحلات، لم يكن يصف الأمكنة… بل كان يُحييها. كنت تشعر أنك تسير معه في الأزقة الزرقاء لمدينة شفشاون، أو تلمس حرارة الروح في الهند، أو تصغي لوشوشات الغابات وضفاف الأنهار البعيدة. لم يكن ينقلك بالكلمات فقط، بل بالمشاعر، حتى بدا كأنه سفيرٌ غير رسمي للإنسانية، يحمل وجوه البشر في قلبه، ويعيد تقديمها بلغةٍ صادقة تأسر السامعين.
لكن أكثر اللحظات تأثيراً كانت حين سُئل عن الوطن… فجاءت إجابته كصفعةٍ دافئة: الوطن هو الأم.

كلمةٌ بسيطة، لكنها هزّت الأعماق، وأعادت تعريف الانتماء في لحظة صدقٍ نادرة. نعم، الوطن ليس حدوداً ولا خرائط… بل حضنٌ أول، وذاكرة لا تموت.
وفي حديثه عن الإنسان، اختصر الفلسفة في عبارة: الإنسان الحقيقي هو من لا يترفّع على غيره، ولا يشعر بالدونية، بل يعيش مع الآخرين ببساطةٍ وأريحية، كفردٍ بين أفراد. رؤيةٌ تعيد التوازن لعالمٍ يرهقه التفاوت والتصنّع.
كما أشار إلى أن لكل بلدٍ رموزه التي يعتز بها، وليس بالضرورة أن تكون شخصياتٍ عظيمة؛ فقد يكون الرمز مقهى قديماً، أو بيتاً تراثياً، أو حتى مقبرةً تختزن ذاكرة المكان. الأهم هو الحفاظ عليها، لأنها تمثل روح الشعوب، لا مجرد ماضيها.

أما الرحلة، كما يراها بدل رفو، فهي ليست انتقالاً بين الأمكنة، بل غوصٌ في أعماقها. على الرحالة أن يبحث عن التاريخ في الأزقة القديمة، وأن يجالس البسطاء، ويشاركهم تفاصيل حياتهم: كيف يأكلون، كيف يعيشون، كيف يحلمون. فالثقافة لا تُكتشف في صالات الفنادق الفخمة، بل في الحارات الضيقة، وفي المقاهي الشعبية حيث تنبض الحياة الحقيقية.

وأكد أن التخطيط المسبق جزءٌ من الرحلة، لكن روحها الحقيقية تكمن في اللقاءات الإنسانية التي تبني جسور التعارف والصداقة. فالرحالة، في جوهره، ليس سائحاً… بل باحثٌ عن الإنسان.
ومن أعمق ما قاله: إن الكاتب يسافر ليبحث عن أشياء تذكّره بطفولته، ليستعيد ذاته في مرآة الأمكنة. وكأن كل رحلة هي عودةٌ خفية إلى البدايات.

وفي ختام هذا اللقاء الاستثنائي، يمكن القول إن بدل رفو ليس مجرد رحّالة أو كاتب، بل هو جامعةٌ متنقلة للمعرفة، ومنبعٌ للتعرّف على الثقافات، ونافذةٌ واسعة يمكن أن ترى من خلالها العالم… وربما ترى نفسك أيضاً، بشكلٍ لم تعرفه من قبل.


