بقلم: عماد أحمد
ترجمة : نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى
في عالمٍ لم تعد فيه القوة تُقاس بالدبابات والطائرات فحسب، تحولت الكلمات إلى نوع آخر من السلاح ،سلاح صامت يمتلك القدرة على إشعال الحروب ومنعها في آن واحد، إن الحوار، وتحديداً بين واشنطن وطهران، ليس مجرد مسار دبلوماسي، بل هو ساحة أخرى للصراع على القوة والإرادة.
في الفلسفة القديمة، كان يُنظر إلى الحوار كأداة للوصول إلى الحقيقة،فالحوار في تاريخ الفكر كان يعني دائماً تصادم الأفكار وخلق التفاهم ،أما في السياسة المعاصرة، فقد وُظف الحوار غالباً لخدمة المصالح، لا للبحث عن الحقيقة، بل لترسيخ السلطة، وفي هذا السياق، يصبح الحوار “حرباً هادئة” تحل فيها الكلمات محل الرصاص.
لا يمكن للحوار السياسي أن يتحقق بمعزل عن أدواته، فالقوة العسكرية، والضغوط الاقتصادية، والتحالفات الدولية، وصناعة الصورة الإعلامية، كلها عناصر تسهم في تشكيل نتائج أي تفاوض، تمتلك أمريكا، بوصفها قوة عالمية، استراتيجية واضحة(تقديم الضغط قبل الجلوس على طاولة المفاوضات)، في المقابل، تُعرف إيران بتاريخ طويل من “الصبر الاستراتيجي”، حيث يبدو أنهم حتى لو خسروا في ميدان المعركة، يحاولون استعادة مكاسبهم عبر بوابة الحوار.
لقد أثبت التاريخ أن الحوار قد يكون مفتاح الحل لأعقد الصراعات،ففي عهد ميخائيل غورباتشوف، مهد الحوار بين أمريكا والاتحاد السوفيتي الطريق لنهاية الحرب الباردة التي قسم العالم لسنوات طويلة،كما كانت الكلمات في “خيمة صفوان” بعد حرب الكويت هي القوة التي وضعت نقطة النهاية للحرب.
تتسم العلاقة بين أمريكا وإيران بخصوصية معقدة،فبعد ثورة 1979، تحولت هذه العلاقة إلى عداء عميق يتأرجح دائماً بين الحرب والحوار، ففي الجانب المعلن، هناك عقوبات وتهديدات عسكرية، لكن في الخفاء، كان هناك دائماً نوع من “حوار الظل” وغير المباشر.
برز استهداف قاسم سليماني كنقطة تحول كبرى، فلم يكن هذا الحدث مجرد رد فعل عسكري، بل تحولاً استراتيجياً هز موازين القوى الإقليمية، بعد تلك المرحلة، حاولت طهران تغيير المعادلات وتوسيع نفوذها باستراتيجية جديدة،وفي هذه المعادلة، لا تقف القوى الإقليمية والدولية صامتة، فإسرائيل تسعى باستمرار لعرقلة أي اتفاق قد يؤدي لتقوية إيران، والناتو يترقب المكاسب كحليف لأمريكا، بينما تسعى الصين وروسيا لخلق توازن جديد في مواجهة النظام الأحادي القطب الأمريكي ،وهنا يلعب كاريزما الرؤساء الأمريكيين دوراً حاسماً،ففي عهد دونالد ترامب، طُبقت سياسة “الضغط الأقصى” بأشد صورها، ضغطأً كان هدفه الفوز في الحرب، لكنه في الوقت ذاته لم يغلق أبواب الحوار تماماً.
في اللحظات الأكثر خطورة، يصبح الحوار ذلك الخيط الرفيع الفاصل بين السلم والحرب،فالكلمات يمكنها إطفاء نيران الحرب، أو إذكاء جمر الصراعات، وهنا تتضح فلسفة الحوار، هل الحوار من أجل فهم الآخر، أم هو مجرد وسيلة للانتصار عليه؟
في الختام، يبقى الحوار بين أمريكا وإيران بمثابة “حرب صامتة” تدور رحاها بين الكلمات والسطور، إذا نجحت هذه العملية، ستنتقل المنطقة إلى مرحلة من الاستقرار المؤقت، لكن فشل هذا الحوار سيفتح الباب أمام حرب أوسع لن ينجو منها أحد.
ما هو واضح أن عالم اليوم يحتاج إلى الحوار أكثر من أي وقت مضى، لكنه الحوار الذي يأتي مدعوماً بالقوة والإرادة، الحوار الذي لا يُكتب بالكلمات فقط، بل تصوغه الاستراتيجيات، لا تزال البشرية بين خيارين: الحوار كطريق للنجاة، أو كشكل آخر من أشكال الحرب.