بقلم: خلف غفور*(1)
ترجمة: نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى
تأسست اتفاقية “سايكس بيكو” عام 1916 بناءً على مصالح الدول العظمى آنذاك (فرنسا وبريطانيا العظمى)، وبموافقة الإمبراطوريتين الروسية والإيطالية، حيث جرى تقاسم تركة الدولة العثمانية، وبموجب ذلك، قُسمت كوردستان إلى أربعة أجزاء، مما وضع الأساس لمنح الشرعية لهذا التقسيم الاحتلالي،وحتى معاهدة “سيفر” عام 1920، التي تضمنت نقاطاً إيجابية كثيرة للكورد، لم تتمكن من تصحيح المسار المائل، لأن مصالح القوى العظمى مالت مجدداً لصالح تركيا، لتأتي معاهدة “لوزان” عام 1923 وتكرس تقسيم كوردستان بشكل كامل.
منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا، لا يزال الكورد يناضلون كضحايا لتاريخ الاحتلال،حيث جربوا محطات مختلفة من المواجهة، شملت الحروب والثورات والانتفاضات، وصولاً إلى الدبلوماسية الشخصية والحزبية. ومع ذلك، لم يفلحوا بعد في تفكيك خارطة احتلال أراضيهم التي رُسمت في “سايكس بيكو” و”لوزان”، كما لا تلوح في الأفق القريب أي آفاق تتوافق فيها المصالح الإقليمية والدولية مع تطلعاتهم.
الخرائط لا تتغير
لقد مر أكثر من 100 عام على تلك الخرائط المكرسة، وتزامن معها تطور مبدأين صارا عائقاً تاماً أمام الكورد الذين لم يمتلكوا القوة الكافية لتغيير الواقع:
أولاً- نمو الدولة القومية:الدول التي تقاسمت الكورد فيما بينها غرقت في فكر قومي ضيق، وكرست في استراتيجياتها القومية فكرة أن الأرض الكوردية هي أرضها الخاصة، رافضةً الاعتراف بالكورد كأمة تتمتع بكامل حقوقها، وعلى الرغم من أن هذا المنطق يفتقر للعدالة ويعتمد على القوة والقمع كمنطلق، إلا أن تقاطع المصالح الكبرى، وخاصة النفط والطاقة في العصر الحديث، أوجد إجماعاً حال دون تمكن الكورد من نيل دولتهم القومية.
ثانياً- غياب الدعم الدولي؛ المنظمات الدولية والإقليمية لم تكن ظهيراً حقيقياً للأمم المحرومة والمحتلة، ورغم إعلانها نظرياً دعم حق تقرير المصير للشعوب، إلا أنها لم تثبت ذلك فعلياً، على الأقل في الحالة الكوردية، فمنظمة الأمم المتحدة ذكرت حقوق الشعوب في ديباجاتها ومواثيقها، لكنها لم تتحول إلى فرصة أو عون للكورد لاستعادة حقوقهم، بل ضاعت الأمم الضعيفة في ظلها تحت وطأة مصالح القوى العظمى.
علاوة على المواثيق الدولية، أُبرمت العديد من الاتفاقيات بين الدول المحتلة نفسها لمواجهة وإحباط الثورات الكوردية، مثل “حلف بغداد” عام 1955، و”اتفاقية الجزائر” عام 1975، وعشرات الاتفاقيات الأخرى السرية والعلنية بين إيران وتركيا والعراق وسوريا على مدار القرن الماضي، وقد نجحت تلك التحالفات إلى حد كبير في كسر المساعي الكوردية.
العصر الحديث ومنطق الحرب والقمع
في القرن الحادي والعشرين وعصر التكنولوجيا، لا يزال الكورد يواجهون خطر الاحتلال، وإقليم كوردستان، أكثر من أي جزء آخر، ورغم تجربته التي أقرها الدستور العراقي الدائم لعام 2005، يواجه خطر الحرب باستمرار،ولا يشترط أن تكون الحرب دائماً بالدبابات والطائرات، بل إن المنطق السائد لدى الطرف المقابل هو أن هذه التجربة “فائضة عن الحاجة” ويجب تحجيمها.
الأمر ذاته ينطبق على تجربة “غرب كوردستان” (رۆژئاڤا)؛ فالجمهورية العربية السورية، ما لم تُجبر بقوة المنطق أو الواقع، ستعمل على تقليص هذه التجربة، أما في شرق وشمال كوردستان، فالنضال لا يزال مستمراً ولم يصل بعد إلى مرحلة التجربة الحقيقية والمعترف بها، لذا فهم في حالة حرب دائمة.
أي الطرق هي الأهم للكرد؟
أمام الكرد، كأمة، ثلاثة مسارات لضمان بقائهم القومي:
-
1. تعزيز التجارب القائمة: بناء البنية الفوقية والتحتية، وتقديم نموذج يحتذى به في إدارة الدولة يلفت انتباه العالم.
-
2. تطوير النضال الدبلوماسي: بناء “لوبي” مؤثر على المستوى العالمي، يمتلك استراتيجية قومية وأهدافاً قريبة وبعيدة المدى.
-
3. التعزيز العسكري (الپێشمەرگە): لامتلاك قوة تحمي البقاء، وهذا المسار الثالث حيوي لدعم المسارين الأول والثاني، فبدون القوة العسكرية لا المؤسسات قادرة على الصمود، ولا الدبلوماسية قادرة على النمو بشكل طبيعي.

