لم يخطط أبو سجاد أن يصبح حديث السوق. كل ما أراده أن يوقف الخسارة. الطماطم نضجت دفعة واحدة في مزرعته شرق الناصرية، والسعر في العلوة انهار إلى 250 ديناراً للكيلو.. أقل من كلفة النقل.”نبيعه بخسارة لو نخليه يعفن؟” سأله ابنه مصطفى وهما يقفان بين حقول حمراء كأنها بحر من الدم. كان الفجر يطلع، وأصوات الشاحنات التي كانت تأتي كل موسم غابت هذا العام.
تجار الجملة قالوا: “المستورد أرخص”.عند الظهر، ركن أبو سجاد سيارته الـ”بيك أب” قبالة مستشفى الحبوبي. فتح الباب الخلفي، وبدأ يفرغ الصناديق على الرصيف. لم يضع ميزاناً ولا لوحة سعر. علّق كارتونة كتب عليها بخط مرتبك: “خذ ما تحتاج.. مجاناً”.أول من اقترب كانت أم علي، بائعة الكليجة. ظنتها مزحة. “بكم الكيلو حجي؟”
“ببلاش يا بنتي. زكاة زرعنا”.
ترددت، ثم ملأت كيساً وهي تتمتم: “فال الله ولا فالك”. بعد دقائق عادت بكيس كليجة ساخن ووضعته جنب الصناديق.الخبر انتشر أسرع من شاحنة الطماطم. عامل البلدية أخذ حاجته. سائق التكسي ترك ديناراً تحت صندوق ومشى. طالب الجامعة حمل كيساً وقال: “راح أسوي زلاطة للشقة كلها”. عند العصر وصل أبو حسين وأبو فلاح بسيارتيهما. مزارعان من سوق الشيوخ والإصلاح. لم يتفقوا على شيء. فقط رأوا المنشور في الفيسبوك. أفرغوا حمولتهم جنب حمولة أبو سجاد. الرصيف تحول إلى سوق مجاني.في المغرب، جاء موظف من العلوة. “حجي، تخسرون نفسكم”.


