الكاتب..محمد حسن الساعدي
تأثير الصراعات الإقليمية على قوة القرار السياسي في العراق يعد من أبرز التحديات التي تواجه الدولة منذ عام 2003 وحتى اليوم. فالعراق، بحكم موقعه الجغرافي وتكوينه الاجتماعي والسياسي، أصبح ساحة مفتوحة لتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على استقلالية قراره السياسي وقدرته على صياغة سياسات وطنية متماسكة، فمنذ سقوط النظام السابق، برز النفوذ الإيراني كعامل رئيسي في المشهد العراقي، حيث تمكنت طهران من بناء شبكة واسعة من العلاقات مع أحزاب سياسية وفصائل مسلحة، مما جعل تأثيرها يتغلغل في مؤسسات الدولة. هذا النفوذ لم يكن مجرد دعم سياسي أو عسكري، بل تحول إلى أداة ضغط على القرار العراقي، بحيث أصبح من الصعب على بغداد أن تتخذ مواقف استراتيجية دون مراعاة الحسابات الإقليمية في المنطقة، بالمقابل، ظل الوجود الأمريكي عاملاً موازناً، حيث تسعى واشنطن إلى الحفاظ على نفوذها في العراق، سواء عبر الدعم العسكري أو عبر الضغط السياسي والاقتصادي، وهو ما وضع العراق في موقع حساس بين قوتين متنافستين.
الصراعات الإقليمية الأخرى، مثل الأزمة السورية، التوترات في الخليج، والعلاقات المعقدة مع تركيا، كلها انعكست على العراق بشكل مباشر،فالأزمة السورية مثلاً دفعت العراق إلى مواجهة تحديات أمنية مرتبطة بحدوده الغربية، كما فرضت عليه مواقف سياسية مرتبطة بالتحالفات الإقليمية،وأما التوترات الخليجية، فقد وضعت العراق أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على علاقاته مع دول الخليج وبين عدم خسارة علاقاته مع إيران. كذلك، فإن التدخل التركي في شمال العراق، بذريعة محاربة حزب العمال الكردستاني، يمثل تحدياً إضافياً يضعف قدرة بغداد على فرض سيادتها الكاملة.
الانقسامات الداخلية في العراق تغذيها هذه الصراعات الإقليمية بشكل كبير،فالأحزاب السياسية العراقية غالباً ما ترتبط بمحاور خارجية، مما يجعلها أسيرة لمصالح تلك القوى. هذا الارتباط أدى إلى إضعاف الجبهة الداخلية، حيث أصبح القرار السياسي العراقي انعكاساً لتوازنات خارجية أكثر من كونه تعبيراً عن إرادة وطنية جامعة،ونتيجة لذلك، باتت الحكومة العراقية تواجه صعوبة في تبني سياسات مستقلة، إذ أن أي قرار داخلي أو خارجي غالباً ما يُقرأ في ضوء علاقات العراق مع القوى الإقليمية،إضافة إلى ذلك، فإن استمرار التوتر بين واشنطن وطهران جعل العراق في موقع لا يُحسد عليه، حيث يضطر إلى الموازنة بين الطرفين، وهو ما يضعف استقلالية قراره ويجعله عرضة لضغوط متناقضة،فهذه الضغوط لا تقتصر على السياسة الخارجية فحسب، بل تمتد إلى ملفات داخلية مثل تشكيل الحكومات، إدارة الموارد، وحتى التعامل مع الاحتجاجات الشعبية، حيث كثيراً ما تُفسر المواقف العراقية على أنها انعكاس لتأثير خارجي.
من الناحية الاقتصادية، فإن العراق أيضاً يتأثر بالصراعات الإقليمية، إذ أن علاقاته التجارية والاقتصادية مرتبطة بدول الجوار،فأي توتر إقليمي ينعكس على حركة التجارة، الاستثمارات، وحتى على أسعار الطاقة، مما يضعف قدرة الدولة على التخطيط الاقتصادي المستقل. كما أن اعتماد العراق على الدعم الخارجي في بعض المجالات يجعله أكثر عرضة للابتزاز السياسي،لذلك يمكن القول إن قوة القرار السياسي في العراق تراجعت بشكل ملحوظ نتيجة لتأثير الصراعات الإقليمية، حيث أصبح القرار العراقي رهينة لتوازنات القوى الإقليمية والدولية. ومع ذلك، فإن استعادة هذه القوة ليست مستحيلة، بل تتطلب تعزيز الوحدة الوطنية، بناء مؤسسات قوية قادرة على مواجهة الضغوط الخارجية، وتبني سياسة خارجية متوازنة تحمي مصالح العراق دون أن تجعله رهينة لتجاذبات المحاور. إن نجاح العراق في ذلك سيعني انتقاله من موقع المتأثر بالصراعات إلى موقع الفاعل القادر على صياغة قراراته وفقاً لأولوياته الوطنية، وهو ما يشكل التحدي الأكبر أمام النخبة السياسية العراقية في المرحلة المقبلة،لذلك يمكن القول إن قوة القرار السياسي في العراق لن تستعاد إلا عبر تعزيز الوحدة الوطنية، وتحييد تأثير القوى الإقليمية، وتبني سياسة خارجية متوازنة تحمي مصالح البلاد دون أن تجعلها رهينة لتجاذبات المحاور.
المدى