تقرير : محمد البغدادي
بخطوات متسارعة وشبكة علاقات دولية متشعبة، يرسم قوباد طالباني نائب رئيس وزراء إقليم كوردستان ملامح مرحلة جديدة للإقليم عنوانها: “تنويع الاقتصاد وفتح كوردستان على العالم”. مشاركاته المكثفة في منتدى دلفي الاقتصادي الدولي بأثينا لم تكن مجرد حضور بروتوكولي، بل تحولت إلى ورشة عمل دبلوماسية واقتصادية كشفت عن استراتيجية واضحة المعالم. من النفط إلى الزراعة والسياحة.

تصريحات طالباني في دلفي وضعت الإصبع على الجرح الكوردي المزمن: الاعتماد القاتل على النفط. لكن الجديد هو الانتقال من التشخيص إلى خطة تنفيذية. نقل بؤرة التنمية من أربيل والسليمانية إلى القرى يعني إعادة الاعتبار للزراعة والثروة الحيوانية. الرهان على الرمان والعسل والجوز كـ”منتجات سيادية” قابلة للتصدير ليس شعاراً، بل مسار واقعي نجحت فيه دول مشابهة. طالباني هنا لا يبيع أوهاماً، بل يسوق لمشروع اقتصادي يقلل هشاشة الإقليم أمام تقلبات أسعار النفط وخلافات بغداد.

لقاء طالباني مع وزير الحوكمة الرقمية اليوناني ديميتريس باباستيرجيو يكشف بُعداً آخر: بناء دولة ذكية. ربط نظام “البايومتري” وبوابة “الخدمة” بالذكاء الاصطناعي يعني تقليص البيروقراطية والفساد ورفع كفاءة الخدمة. الأهم أن طالباني لا يبحث عن استيراد تجارب جاهزة، بل عن “قناة تواصل مباشر” بين الخبراء.
الطموح لا يتوقف عند الحضور في دلفي، بل يمتد لاستنساخه. اتفاق طالباني مع نائب رئيس الوزراء اليوناني كوستيس هاتزيداكيس على عقد الدورة الثانية من المنتدى في السليمانية ضربة دبلوماسية ذكية. تحويل السليمانية إلى “دلفي الشرق” يمنح الإقليم منصة دولية لعرض الفرص الاستثمارية بعيداً عن صورة الإقليم كـ”منطقة نزاع”. وربط ذلك بفتح خط طيران مباشر أثينا-السليمانية يعني ترجمة الدبلوماسية إلى سياحة وتجارة.

تحركات طالباني لا تخضع لجغرافيا الأزمات بل لجغرافيا الفرص. اتفاقه مع المدير العام للمجلس الوطني السويدي للتجارة على خارطة طريق للتبادل التجاري يفتح باب أوروبا الشمالية. أما لقاؤه مع عبدالله غول فيستثمر الإرث السياسي للرئيس جلال طالباني لتثبيت كوردستان كـ”جسر سلام” إقليمي. غول نفسه يعترف: نهج الإقليم والاتحاد الوطني يرسخ التهدئة.
في لقاءاته، كرر طالباني معادلة لافتة: “لا نريد أن نكون جزءاً من الحرب.. نعمل على حل المشاكل”. هذا “الحياد الإيجابي” ليس انعزالاً، بل تموضع ذكي. فبينما تحترق عواصم بالصراع الأميركي الإسرائيلي الإيراني، يقدم الإقليم نفسه كمنطقة آمنة للاستثمار والوساطة.


