بقلم: ستران عبد الله
ترجمة: نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى
الأنفال، حزن الوطن الأبدي، وعنوان الظلم والجور الذي مارسه المحتل البعثي،هي ذاك النذير العالق من الخوف والقلق لدى أمة لم تنل حتى الآن طمأنينة نهائية بأن شمس العدل والحياة قد أشرقت، وأن شبح “الأنين والشكوى” قد ولى إلى غير رجعة.
إن الأنفال ليست مجرد عملية انقضت مع سنوات الماضي الغابر، بل هي سجل عام لقطرات الدموع، وغصات الخناجر، والآهات الباردة، سجلٌ يجب أن يُوثّق ليكون عبرةً، ومنبعاً للنخوة، وحافزاً لذاكرة حية لا تصدأ.
لكن الأنفال -دون رؤية كوردستانية طاهرة وسامية، ودون ديمقراطية تليق بتضحياتنا في مواجهة الإبادة، ودون نهضة عادلة بعيدة عن صراعات احتكار النفط والاستئثار بالسلطة السياسية وتآكل قيم “الكوردايه تي” تحت وطأة التضليل والغطرسة- ستظل خوفاً لم يتبدد تماماً، إنها غصة تحتاج إلى ضمانة حقيقية للأبد، تؤمن مستقبل شعبنا الذي اكتوى بنيران الأنفال و الأسلحة الكيماوية، وتقول له إن تلك المآسي قد ذهبت مع الريح ولن تعود.
من حقنا أن نضع أيدينا على قلوبنا، فبعد مرور ربع قرن جديد، نرى أن من يحيط بنا لم ينخرطوا بعد في روح القرن الحادي والعشرين، وما زالت أوهام الجور السالفة تداعب مخيلتهم، من حقنا ألا نغمض جفوننا وألا نغفل لحظة واحدة حتى لا نُؤخذ على حين غرة، فالمنافسة النبيلة والشجاعة باتت نادرة، إن لم تكن قد انعدمت تماماً.
من حقنا أن نشعر بذلك ما لم ننفض عنا ثياب الذل والعلة بالكامل، وما زالت بقع اليأس والكراهية تلطخ واقعنا ولم نغسلها كما يجب، ولكن، وأكثر مما هو “حق لنا”، فإن “الواجب علينا” هو أن نُعدّ أنفسنا بشكل أفضل، وأن نُقدّم خيرة أبناء مجتمعنا لمهام المستقبل البطولية، ليكونوا بيشمرگة العصر الجديد،فالطريق القادم أصعب وأطول، ويتطلب جهداً وسهراً يفوق ما بذلناه في الماضي، ما هو آتٍ ليس هزءاً أو عبثاً، ولا تنفع معه الرخاوة أو الخيال الواهن، ما هو آتٍ يتطلب رجالاً ونساءً شجعان في ذروة طاقتهم وعزيمتهم، أيامٌ كهذه هي ما ينتظرنا،اللهم اجعل الأنفال تمضي ولا تعود، واجعل حظ الكورد يزدهر. كفانا أنيناً ولتحلّ الحياة، ليكون عدلنا مسموعاً، وليُنبذ الظلم،ليت صراخنا لا يكون مجرد أنين “گەرميان” المحترقة، بل نداء “كوردستان” الشامخة،لنرفع رؤوسنا بين الأمم، وليتحقق لنا جبر ضرر ما فاتنا في الماضي.

