الكاتب.. جاسم حسين الخالدي
انتُخب رئيس الجمهورية وهو الاستحقاق الثاني، وبقي هناك استحقاق ثالث، وهو رئيس مجلس الوزراء، لكن ثمة ملاحظة مهمة مفادها أن هناك كتلا لم تحضر الجلسة وهي تقدر بأكثر من ثمانين نائباً، وقد حاول بعض نواب الكتل التي حضرت اتهام غير الحاضرين بأنهم لا يمثلون الإرادة الوطنية وكأن الوطنية أن يحضر النائب فقط، وننسى أن الحضور أو عدم الحضور هو حالة ديمقراطية، لا بد أن يدعمها البرلمان، وهو جزء من الممارسة الديمقراطية. لماذا نريد أن يكون البرلمان لوناً واحداً، ورأياً واحداً، وجميل أن نريد كتلتين الأولى موالاة والأخرى معارضة.
إن اختزال الوطنية في الحضور فقط هو تبسيط مخلّ لوظيفة النائب البرلماني. ففي العرف الديمقراطي، يمتلك النائب ترسانة من الأدوات للتعبير عن إرادة ناخبيه؛ منها التصويت بـ “نعم”، أو “لا”، أو “الامتناع”، وصولاً إلى المقاطعة السياسية التي تعد رسالة احتجاجية صريحة على مسار لا يراه النائب منسجمًا مع البرنامج الذي انتُخب لأجله. إن محاولة صبغ البرلمان بلون واحد، أو تخوين من يمارس حقه في الغياب السياسي، تعيدنا إلى مربع الديمقراطية الشكلية التي ترفض التعددية. فالديمقراطية ليست مجرد آلة لرفع الأيدي، بل هي فضاء للصراع السلمي بين الرؤى المختلفة.
إن الخطورة في اتهام الممتنعين عن الحضور بضعف الوطنية تكمن في خلق نمط إلزامي للولاء السياسي، وهو ما يتنافى مع مبادئ التعددية. فالوطنية لا تُقاس بمدى التماهي مع الأغلبية أو حضور الجلسات الإجرائية، بل بمدى الالتزام بالدستور وتمثيل مصالح الناخبين. عندما يقرر نائب ما عدم الحضور، فهو يمارس احتجاجاً سلبياً مشروعاً، معبراً عن رفضه لآلية المحاصصة أو المسار الذي تسلكه السلطة، وهذا بحد ذاته فعل وطني يهدف إلى تصحيح المسار لا عرقلته
والحقيقة التي يجب أن يدركها الفاعلون السياسيون هي أن غياب المعارضة داخل قبة البرلمان لا يعني استقرار الحكومة، بل يعني نقل المعارضة إلى الشارع، وهو خيار قد يكون أكثر كلفة وتعقيداً. فالموالاة (الأغلبية) تمنح الحكومة الشرعية والقوة اللازمة لتنفيذ البرنامج الحكومي، بينما المعارضة (الأقلية) تمارس دور الرقيب الكاشف، وتمنع انفراد السلطة بالقرار، وتطرح البدائل التي تغيب عن ذهن الحكومة.
إن الاكتفاء بالنظر إلى البرلمان بوصفه ساحة للأرقام (من حضر ومن غاب) يُفرغ العملية الديمقراطية من محتواها الأخلاقي والسياسي. فالديمقراطية الحقيقية ليست مجرد تغليب للأغلبية، بل هي حماية للأقلية وضمان حقها في قول “لا” دون خوف من التخوين. إن البرلمان الذي يسعى ليكون لوناً واحداً يتحول بمرور الوقت إلى مؤسسة جامدة تفتقر إلى النقد الذاتي، مما يؤدي إلى اتخاذ قرارات قد لا تحظى بالقبول الشعبي الواسع، وتعمق الفجوة بين السلطة والجمهور.
إن ما تحتاجه بيئتنا السياسية اليوم هو الانتقال من مفهوم المقاطعة بوصفها أسلوباً لتعطيل النصاب إلى مفهوم المعارضة بوصفها بديلاً سياسياً”. إن وجود ثمانين نائباً خارج التوافق الحالي يمثل فرصة ذهبية لميلاد معارضة مؤسساتية قوية تراقب أداء الحكومة المقبلة وتكشف مواطن الخلل. وبدلاً من الضغط عليهم للحضور الصوري، يجب تشجيعهم على تشكيل جبهة برلمانية متماسكة، لأن وجود حكومة قوية يتطلب بالضرورة وجود معارضة ذكية تصوب مسارها.
ومع اقتراب استحقاق تكليف رئيس مجلس الوزراء، تقع المسؤولية الكبرى على عاتق الكتل التي حضرت وشكلت النصاب. عليها ألا تكتفي بالانتصار العددي، بل يجب أن تسعى لاكتساب الشرعية السياسية من خلال الانفتاح على طروحات الغائبين. إن استمرار لغة الإقصاء والتخوين سيزيد من حالة الاحتقان السياسي، وسيجعل الحكومة المقبلة تواجه جداراً من الرفض قبل أن تبدأ مهامها. فالاستقرار الحقيقي لا يأتي من إسكات الأصوات المعارضة، بل من استيعابها داخل أطر الدولة والقانون.
إن الاستحقاق الثالث المتمثل في اختيار رئيس مجلس الوزراء يتطلب عقلاً سياسياً يؤمن بأن وجود ثمانين نائباً أو أكثر خارج الجلسة ليس عقبة، بل هو مؤشر يجب قراءته. هؤلاء يمثلون شريحة واسعة من المجتمع اختارت ألا تتماهى مع الطرح السائد، واحترام هذا الخيار هو أسمى تجليات الديمقراطية. بدلاً من كيل الاتهامات، يجدر بالكتل التي حضرت أن تسعى لبناء جسور الحوار، أو على الأقل الإقرار بأن المقاطعة ممارسة ديمقراطية بامتياز.
فجمال البرلمان وقوته يكمن في أنه مرآة لتنوع المجتمع، لا صدى لصوت واحد.
الصباح