تتصدر قضية تقييد تدفقات العملة الصعبة من البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى العراق واجهة المشهد الاقتصادي والسياسي، حيث تشير الوقائع الميدانية إلى أننا لسنا أمام عملية “حجز” بالمعنى القانوني المطلق، بل أمام سياسة تقنين مشددة وغير مسبوقة للسيولة النقدية الواصلة إلى خزائن البنك المركزي العراقي، فهذه الأموال التي هي في الأصل عوائد النفط العراقي المودعة في نيويورك، باتت تخضع لرقابة صارمة تحول دون وصول الشحنات النقدية المعتادة، مما خلق حالة من الجفاف الدولاري في الأسواق المحلية.
وتعود جذور هذا الإجراء الأمريكي إلى رغبة واشنطن في فرض نظام امتثال مالي صارم ينهي حقبة “التهريب المنظم” للعملة نحو دول إقليمية تخضع للعقوبات الدولية، حيث يضغط الفيدرالي الأمريكي باتجاه تفعيل كامل لمنصة التحقق الإلكترونية لضمان معرفة المستفيد النهائي من كل دولار يخرج من العراق، وبالتوازي مع هذا الجانب الفني، تبرز الأبعاد السياسية بوضوح، إذ تُستخدم ورقة الدولار كأداة ضغط استراتيجية لضمان استقرار الساحة العراقية ومنع انخراطها في صراعات إقليمية أوسع، مما يجعل من الملف المالي قضية أمن قومي بامتياز.
أما عن الانعكاسات على الداخل العراقي، فقد بدأت التأثيرات تظهر جلياً من خلال اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازي، وهو ما انعكس بشكل مباشر على القوة الشرائية للمواطن البسيط، حيث تسبب نقص السيولة في ركود تجاري وتضخم ملحوظ في أسعار السلع الأساسية، ومع استمرار هذا التقييد، يجد صانع القرار في بغداد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما الامتثال الكامل والمطلق للمعايير الأمريكية لضمان استمرار تدفق الدولار، أو المضي في مسارات معقدة لتنويع سلة العملات التجارية، وهي رحلة محفوفة بالمخاطر الفنية والسياسية في ظل نظام مالي عالمي ما زال الدولار فيه هو السيد المطلق

