بقلم: عماد أحمد
ترجمة: نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى
قبل أيام قليلة، قال لي أخي “سمير”: (أخي، لقد كتبتَ مقالات كثيرة في الآونة الأخيرة، لماذا لا تكتب مرة واحدة بشكل مباشر ودون مواربة عن أوضاع إقليم كوردستان؟) فأجبته: (من دواعي سروري).
ربما لا يكون هذا المقال جواباً كاملاً على تساؤله، لكنه محاولة للتحدث مباشرة، وبعيداً عن تجميلات اللغة، عن واقع كوردستان اليوم، كوردستان التي تعيش بين مطرقة الأزمة وسندان الأمل.
إن كوردستان اليوم تشبه سفينة في خضم بحر هائج يملؤه الضباب،تلطمها الأمواج بقوة، بينما لا تمنحها السماء إلا القليل من خيوط الطمأنينة، على متن هذه السفينة، يجلس أناس يحمل كل منهم حلماً، لكن هذه الأحلام غالباً ما تضيع في عتمة المستقبل.
الأزمة هنا ليست مجرد قدر محتوم، بل هي نتاج سلوك وسياسات تراكمت عبر السنين، فحين يتأخر صرف الرواتب، وعندما لا يجد الشاب نافذة أمل يطل منها على مستقبله، وحين يعجز الأب عن تلبية الأحلام الصغيرة لأطفاله، تصبح الأزمة حينها أكثر من مجرد أرقام، إنها تتحول إلى وجع يومي.
والحقيقة هي أن القصور، والصراعات الحزبية، والمحاصصة في السلطة، وضعف المعارضة، تشكل حجر الأساس لمعظم هذه المشاكل،إن الكلمات الرنانة مثل “العدالة” و”الوحدة” تتردد كثيراً على الألسن، لكنها في الواقع تبدو للناس كمجرد ضجيج أو صدى بعيد.
لا يمكن لأي نظام أن يستمر دون “ثقة”، وهذه الثقة في الإقليم اليوم تراجعت إلى مستويات خطيرة، إن استعادة الثقة بين الشعب والسلطة هي الركيزة لأي مستقبل آمن ومستقر.
وبالطبع، كوردستان ليست مجرد قصة أزمات، فمن رحم هذا الظلام لا يزال الأمل يبرعم، إن شعب هذه الأرض، تماماً كأشجار البلوط في الجبال، صامد بوجه رياح الزمان العاتية، تاريخ هذا الوطن يخبرنا أنه مهما بلغت التضحيات، فإنه لم ينكسر قط.
والسؤال الجوهري هو، هل نحن مستعدون للتعلم من أخطائنا، أم سنستمر في تكرارها؟ الحل ليس في الخارج، بل يكمن في أعماقنا، تبدأ التغييرات الحقيقية عندما تقرر السلطة خدمة الناس بدلاً من حماية المصالح الخاصة، وعندما يكسر المجتمع صمته ويطالب بحقوقه.
إن أمانة دماء الشهداء ثقيلة، ولا ينبغي أن تتحول إلى مجرد ذكرى، فهذه الأمانة تتطلب فعلاً لا مجرد قول، أما على الصعيد الخارجي، فإن تعقيدات المنطقة هي إنذار واضح بأن الاستقرار لا يأتي بسهولة، لذا فإن بناء علاقة متوازنة وعقلانية مع بغداد ضرورة ملحة ومصيرية، وفي الداخل تظل وحدة الأطراف السياسية هي المفتاح لأي قوة وطنية.
والأمثلة في العالم كثيرة، سنغافورة كانت بلداً بلا موارد طبيعية، لكنها بالقرار والإرادة والنظام استطاعت أن تعبر من الأزمة إلى النجاح، وكما يقول “لي كوان يو”: (إذا أردت الوصول إلى أحلامك، فعليك بالتنظيم والانضباط) ،هذا درس بسيط لكنه عميق، فالأمم لا تعيش بالأمل وحده، بل تنهض بالفعل والنظام.
كوردستان اليوم تمر بلحظة فارقة، لحظة ما بين الليل والنهار، الظلام لا يزال موجوداً، لكن خيوط الفجر بدأت تلوح، إنها لحظة الاختيار،إما أن نكون جزءاً من الأزمة، أو نصبح جزءاً من الحل.
ختاماً، هذه الأرض لا تحتاج إلى وعود براقة، بل تحتاج إلى الصدق،كوردستان لا تحتاج كلمات منمقة ولا وعوداً فارغة، بل تحتاج إلى قلب صادق ويد نظيفة تشعل شمعة في العتمة، ليس لنفسها فقط، بل للجميع.
وكما كان يقول “الرئيس مام جلال”: (يجب أن يبقى الأمل دائماً، لأنه بلا أمل تفقد الحياة معناها)، وهذا الأمل يكتسب معناه الحقيقي عندما يتحول إلى عمل. بين “أمل” مام جلال و”درس” سنغافورة، تتضح خارطة الطريق: طريق الأمل والقرار، العمل والصدق.
إذا صرنا نحن الشموع واحترقنا في الظلام، فإن المستقبل سيشرق حتماً، لأن كوردستان، وبعد كل ليل طويل، تمتلك شمسها الخاصة.
قبل أن أرسل هذا المقال للنشر، أرسلته إلى أخي العزيز سمير، فكان رده قصيراً لكنه عميق، حيث قال: (أخي العزيز، لو قبلت مني، فأنت لم تقل كل شيء، لقد خبأت جزءاً من الحقيقة داخل قلبك الذي يملؤه الهمّ كـ (مامه خه مه).* (1)
______________
*(1) مامه خه مه: شخصية تراثية كوردية ترمز للشخص الحامل للهموم والغموم.

