الكاتب..حسين حميد العوفي
تعد البطالة في العراق مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة يمكن احتواؤها ضمن مؤشرات رقمية أو تقارير دورية بل تحولت إلى قوة هدم اجتماعي عميقة، تعيد تشكيل العلاقات الإنسانية من جذورها. إنها أزمة تتجاوز حدود العمل والدخل لتطال بنية المجتمع ذاته، وتفرض واقعًا قاسيًا على الأفراد، لا سيما فئة الشباب .
تتجلى هذه الأزمة بوضوح في الارتفاع اللافت لمعدلات البطالة بين فئتي العزاب والمنفصلين، وهو ارتفاع لا يرتبط بضعف الكفاءة أو قلة المؤهلات، بقدر ما يعكس خللًا بنيويًا في سوق عمل مشلول، يركز على الداخلين الجدد إليه دون رحمة. وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الزواج خطوة طبيعية في مسار الحياة، بل تحول إلى مشروع مؤجل، بل ومهدد، في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وهكذا لا تؤجل البطالة الزواج فحسب بل تفرغه من مضمونه، وتحوله إلى عبء مؤجل في حسابات الشباب.
أما على مستوى العلاقات الأسرية فإن تأثير البطالة يبدو أكثر قسوة ووضوحًا. فارتفاع معدلاتها بين المطلقين مقارنة بالمتزوجين لا يمكن اختزاله في كونه مجرد مؤشر إحصائي، بل هو مؤثر مباشر لدور البطالة في تقويض استقرار الأسرة إذ حين يحرم الفرد من مصدر رزقه، لا يفقد دخله فقط، بل تتاكل قدرته على تحمل أعباء الحياة، وتتزعزع مكانته داخل الأسرة، لتبدأ العلاقات بالتفكك تحت ضغط العجز وخيبة الامل وفي كثير من الحالات تتحول الضغوط الاقتصادية إلى شرارة أولى لانهيار الحياة الزوجية.
في المقابل يظهر المتزوجون قدرة أكبر على البقاء ضمن سوق العمل لا لأن الفرص متاحة لهم بصورة أفضل بل لأنهم مدفوعون بمنطق الضرورة فالمسؤوليات الأسرية خصوصًا في ظل وجود أطفال تدفعهم إلى التشبث بأي فرصة عمل مهما كانت قاسية أو غير عادلة ليس بحثًا عن الاستقرار بقدر ما هو سعي للبقاء إنهم يعملون تحت ضغط الحاجة لا في ظل بيئة عمل عادلة.
إن معالجة البطالة في العراق لا يمكن أن تتم عبر برامج ترقيعية أو وعود سياسية مستهلكة، بل تتطلب صدمة إصلاح حقيقية تبدأ من تفكيك اقتصاد الريع، ومحاسبة منظومة الفساد وإعادة بناء سوق عمل قائم على الكفاءة لا الانتماء والمحاصصة دون ذلك ستبقى البطالة أداة خفية لإعادة تشكيل المجتمع نحو مزيد من الهشاشة والتفكك.
كتابات