بقلم: دارا حه مه علي *(1)
ترجمة : نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى
منذ منتصف شباط وحتى نهاية آب عام 1988، شنّ نظام البعث بقيادة صدام حسين وتنفيذ “علي حسن المجيد ” الملقب ب ” علي الكيماوي” حملة ممنهجة ووحشية ضد الشعب الكوردي في جنوب كردستان تحت مسمى “عمليات الأنفال”.
من منظور القانون الدولي، تستوفي هذه الحملة كافة أركان جريمة الإبادة الجماعية ، إذ كان هدفها استئصال شعب بأكمله، ولولا انتفاضة عام 1991، لكانت هذه العمليات قد استمرت بذات الوتيرة أو بأساليب مغايرة لتشمل كافة مدن كوردستان وتطهيرها عرقياً كما حدث مع القرى، فوفقاً لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، تُعرّف الإبادة الجماعية بأنها أفعال تُرتكب بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو دينية، وحملة الأنفال تنطبق عليها هذه المعايير بكل المقاييس، بل إنها كادت أن تمحو الجغرافيا لولا الأحداث التي تلتها.
الأنفال والهولوكوست
ثمة تشابه كبير بين جريمتي الأنفال والهولوكوست، خاصة من منظور حقوق الإنسان والجرائم ضد الإنسانية،فكلاهما كانتا جرائم إبادة خططت لها الدولة بأسلوب منهجي، في الهولوكوست، نفذت ألمانيا النازية إبادة جماعية ضد اليهود والأقليات الأخرى، وفي جريمةالأنفال، حاول نظام البعث إبادة الشعب الكوردي عبر وسائل عدة، منها الأسلحة الكيماوية، التهجير القسري، وتدمير القرى الذي أدى في مراحله الأخيرة إلى إنهاء البيئة الريفية في جنوب كردستان، كلاهما كانتا عمليات قتل جماعي للمدنيين العزل، الأنفال وإبادة الأرمن.
تندرج جريمة الأنفال وإبادة الأرمن أيضاً تحت ذات التعريف، بدأت حملات إبادة الأرمن على يد العثمانيين في أواخر عمر دولتهم عام 1915 بقصد إنهاء وجودهم، ووفقاً للمؤرخين والجمعية الدولية لعلماء الإبادة الجماعية، قُتل أكثر من مليون أرمني بشكل مخطط له، بينما تورد الرواية التركية أرقاماً مغايرة، وهي وإن كانت محاولة لتقزيم حجم الجريمة، إلا أنها تُعد اعترافاً ضمنياً بوقوعها،وقعت جريمة الأنفال بعد نحو سبعين عاماً من إبادة الأرمن، وهي امتداد لعملية وُضعت لبناتها مع تأسيس الدولة العراقية، وتجلت في الهجمات الكيماوية، الإعدامات الجماعية، التهجير القسري، ونهب ممتلكات الكورد، كلاهما وقعتا ضمن إستراتيجية متشابهة وبتخطيط وقوانين وضعتها الدولة.
ومن حيث الاعتراف الدولي، تعترف الدولة العراقية اليوم بالأنفال كإبادة، كما اعترفت بها دول مثل النرويج، السويد، المملكة المتحدة، وكوريا الجنوبية، لكن الخطوات العملية كالتعويضات وتحديد هوية الرفات والبحث عن مئات المقابر الجماعية الأخرى لا تزال تشهد تقصيراً، والأخطر من ذلك هو غياب أي ضمانات قانونية أو أخلاقية تمنع تكرار هذه الجريمة.
الأنفال وإبادة التوتسي في رواندا
وفقاً لتعريفات القانون الدولي، تُعد كل من الأنفال ومجازر التوتسي إبادة جماعية، ففي الحالتين كانت هناك خطة منظمة لإبادة جماعة عرقية واجتماعية،في الأنفال استهدف نظام صدام “الكورد”، وفي رواندا استهدفت حكومة “الهوتو” جماعة “التوتسي”، في الأنفال استُخدم الكيماوي وتدمير القرى ودفن الضحايا أحياء، وفي رواندا استُخدمت الأسلحة التقليدية والبيضاء على نطاق واسع لقتل قرابة 800 ألف إنسان في أقل من ثلاثة أشهر، بينما كانت الأمم المتحدة والولايات المتحدة على علم بما يحدث في رواندا ولم يتدخلا، وقعت الأنفال خلال الحرب العراقية الإيرانية وسط انشغال وتجاهل دولي.
ختاماً، إن ما يميز الأنفال عن غيرها من الجرائم، هو أنها لم تكن تهدف لمحو مجموعة قومية فحسب، بل كانت تهدف لمحو جغرافيا كاملة وهي “جنوب كوردستان”.
*(1) كاتب المقال أحد الناجين من جحيم “نقرة سلمان”

